يُلاحَظ، لدى تناول جولات المواجهة العسكريّة في المنطقة، أنّ مواقف البلدان المعنيّة تثير تلقائيّاً أوضاع تلك البلدان الداخليّة. ذاك أنّ الأخيرة تلعب دوراً كبيراً، إن لم يكن حاسماً، في تقرير موقع الدول من الحرب واستجابتها لجولاتها. والترابط هذا إنّما يرقى إلى معادلة راسخة في عموم البلدان، خصوصاً الديمقراطيّة منها، من غير أن تقتصر على تلك الديمقراطيّة.
فعند كلّ حديث عن الولايات المتّحدة والحرب تحضر آليّاً الانتخابات النصفيّة والتضخّم ومدى تحمّل المواطنين ارتفاعَ الأسعار. وفي إسرائيل أيضاً يتلازم ذكر الحرب مع التكهّن بصدد الانتخابات العامّة الوشيكة وأوضاع بنيامين نتنياهو الشخصيّة والقانونيّة ومعنى صعود منافسه غادي إيزنكوت... وحتّى إيران، غير المعروفة بانعكاس الرأي العامّ على سياستها، ولا بوجود رأي عامّ أصلاً، تواجهنا عند كلّ منعطف بأخبار وتسريبات تطال أحوال مرشدها الأعلى وبورصة العلاقة بين «الحرس الثوريّ» و«المعتدلين»...
أمّا في لبنان، وهو من ساحات الحرب الأساسيّة، فهذا كلّه لا يحصل. ذاك أنّ المفاوضات المدنيّة والعسكريّة تتنقّل بين العواصم من دون أيّ تدخّل أو تأثير داخليّين عليها، ما خلا المبايعة من جهة والتشهير من جهة أخرى. فليس هناك طرف يحاول أن يبلور تيّاراً فاعلاً في دعم التفاوض أو في رفضه. وفيما يتّكل رموز الدولة على الرئيس دونالد ترمب، وعلى كتلة سكّانيّة ذات وعي جاهز تؤيّد التفاوض، يتّكل «حزب الله» على إيران وعلى كتلة سكّانيّة ذات وعي جاهز تعارضه، ولا يتحدّث «الحزب» عن إسقاط التفاوض إلاّ مصحوباً بالتلويح بالقوّة.
وأغلب الظنّ أنّ هذه العطالة ليس مردّها إلى طبيعة شخصيّة في قيادات الطرفين – الدولة و«حزب الله». لكنْ، ومن غير استبعاد الكسل وانعدام المبادرة، يبقى أنّ المشكلة الأمّ كامنة في انعدام الرأي العامّ نفسه، وهو تحديداً ما يربك سلوك القادة أو يُخرسهم. فإذا كانت تجربة 8 و14 آذار (مارس) 2005 قد وضعت البلد على شفير نزاع أهليّ، فإنّ تكرار التجربة اليوم قد يفجّر انقسامه على نحو تصعب الوحدة بعده.
صحيح أنّ الداخل في بلدان كالولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران ليس منسجماً، وهناك تكهّنات في صدده لا تتورّع عن افتراض التصادم. لكنّ الصحيح أيضاً أنّ لبنان غدا بلا داخل كلّيّاً، كما أنّ العلاقة بين دواخله الكثيرة المتناطحة تجاوزت عدم الانسجام أو صعوبة إعادة التدوير داخل حياة سياسيّة.
وهكذا فالسياسيّ اللبنانيّ الذي ينوي أداء واجبه في تسييس النزاع المتشظّي يشبه مَن ينوي اصطياد قنفذ برّيّ باليد العارية. ذاك أنّ الاقتراب من القنفذ يجعله يتكوّر على ذاته دافعاً أشواكه الجارحة إلى خارجه. فهو حيوان مراوغ، صيّاده يحاول شيئاً من العبث حين يحاول اصطياده.
واستطراداً فإنّ وجود آراء عامّة لبنانيّة، شديدة الاكتفاء الذاتيّ والتناقض في ما بينها، يجعل القضايا الكبرى للحرب والسلام موصولةً تلقائيّاً بطرح مسألة الوحدة اللبنانيّة نفسها.
فحيال الحرب، كان الخوف من سلاح «حزب الله» حتّى ثلاث سنوات خلت، يُبقي انهيار الوحدة كامناً وضمنيّاً، وإن كان السلاح يعزّز الانهيار ويفاقمه في العتم. لكنْ حيال السلم يغدو الانهيار، كما هي الحال الآن، كاملاً يعلن عن نفسه في وضح النهار، وذلك بالإفادة من عجز السلاح عن تمويهه أو إسكاته.
فمن المستحيل اليوم، تحت الغلالة الرقيقة لـ«العيش المشترك»، تناول مسألة السلام من غير مساءلة تركيبة البلد ووحدته ونظامه. أمّا من يفعل، ولو صادقاً في الدفاع عمّا يراه حقّاً، فلا ينجو من الاتّهام بنزوع إلى السيطرة والغلبة.
وتركيبة البلد والنظام لا تطال، هذه المرّة، توزيع «الحصص» وإعادة توزيعها، بل تتّجه مباشرة إلى «العيش المشترك» ذاته، لا سيّما في ركنيه الأشدّ تقاطعاً مع حياة اللبنانيّين ووعيهم، أي الحرب والسلام.
والحال أنّ السنوات القليلة الماضية فتحت الباب واسعاً لإعادات نظر في المشرق العربيّ كلّه، لا في لبنان وحده. ولئن كان من الصعب التكهّن راهناً بمآل إعادات النظر تلك، فالمؤكّد أنّها لن تدور حول الثنائيّات القديمة كالوطنيّة واللاوطنيّة، أو المقاومة والاستسلام وغير ذلك. فالموضوع الصاعد هو انفجار الانشقاقات في بيئات أقنعها ارتفاع أكلاف المطالب الإسرائيليّة بعد «طوفان الأقصى» بأنّها مِلل ونِحل أكثر منها شعوباً وأوطاناً.
فكأنّ «الطوفان»، في حالتنا، هو ما يعادل أحداثاً سبق أن أظهرت استحالة بلدان في عدادها يوغسلافيا السابقة التي داهمتها وفاة جوزيف تيتو في 1980، قبل أن تنشب أزمة اقتصاديّة مصحوبة بصعود تعبيريٍّ حادّ للهويّات الصربيّة والكرواتيّة والسلوفينيّة. وفيما كانت تلك التطوّرات تقود إلى تفكّك تدريجيّ للإجماعات المعلنة، حلّ انهيار الشيوعيّة في أوروبا وإلغاء كوسوفو الحكمّ الذاتيّ فالانتخابات القوميّة في الجمهوريّات، ثمّ كان إعلان الاستقلال وانفجار الحروب على مصراعيها.
وهكذا يلوح شلل السياسيّين اللبنانيّين وتعثّرهم كما لو أّنّهما قرار بالكفّ عن صيد القنفذ بأيديهم العارية، وتفضيلهم وضع أيديهم في جيوبهم والتحديق في الأفق الأبعد... علّ وعسى.

