: آخر تحديث

حريق في "القرن الإفريقي"... إثيوبيا تظهر "العين الحمراء"!

1
2
2

شنت قوات الجيش الفيدرالي الإثيوبي هجوماً على متمردين من "جبهة تحرير تيغراي" في إقليم تيغراي (شمالي البلاد)، قرب الحدود مع السودان وإريتريا.وفي الوقت الذي اصطدم فيه الجيش بحركة "فانو" في إقليم أمهرة، توغّلت قواته بالفشقة السودانية، في تصعيد يضع إثيوبيا على صفيح ساخن، ويثير مخاوف من حرب تمزقها أشلاء، إذ تحاول حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد إظهار "العين الحمراء"، لخصوم الداخل والخارج، في منطقة القرن الإفريقي وحوض النيل.ينهمك الجيش الإثيوبي في حروب استنزاف، في تيغراي وأمهرة وأوروميا وأوغادين إلخ... وربما خارج الحدود، فيتحوّل من جيش اتحادي إلى طرف في نزاع أهلي. منذ أشهر، تتمركز قوات الجيش و"جبهة تيغراي" على حدود تيغراي. وكان الإقليم البالغ عدد سكانه 6 ملايين نسمة شهد، بين تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2020 ونوفمبر عام 2022 حرباً بين الجيش والجبهة، أوقعت 600 ألف قتيل، وانتهت بتوقيع "اتفاق بريتوريا" للسلام.وينذر تجدد المعارك بين الطرفين باشتعال الأوضاع على نحو خطير، بعد شهر فقط من فوز حزب الازدهار الحاكم بالانتخابات البرلمانية الإثيوبية، في مؤشر على استمرار آبي أحمد في سياساته التصعيدية تجاه القوى المناوئة، بينما تقف "جبهة تيغراي" في منطقة رمادية، بين التزامات "بريتوريا"، ورغبتها باستعادة الثقل، وحتى الحكم في أديس أبابا، أو الانفصال عنها.ومثلها حركة "فانو" في إقليم أمهرة، تشعر قومية الأمهرة بالتهميش السياسي بعد صعود النخبة الأورومية الحاكمة. "فانو" ميليشيا عرقية لا تملك جيشاً نظامياً، لكنها تحوز حاضنة محلية. تقف الحركة شاهداً على المفارقة: مقاتلون كانوا بالأمس حلفاء للحكومة ضد "تيغراي"، صاروا اليوم يقاتلون الجيش الفيدرالي، والوضع مشابه في إقليم أوغادين (الصومال الغربي)، وحتى أروميا.ما يحدث في إثيوبيا ليس جولة من العنف المسلح، بل اختبار لجوهر "الدولة الإمبراطورية" التي تعيد خلق أزماتها بحروب تستنزف قدرتها، وقد تدفعها إلى التفتت؛ أخطر تهديد يواجه إثيوبيا اليوم ليس نابعاً من خارج حدودها، بل من تصدعاتها الداخلية. اختارت القيادة الإثيوبية ألا ترمم بيتها الداخلي، بل رفع سقف المواجهة مع جيرانها، تارة باسم "سد النهضة"، وتارة باسم "الحق في منفذ بحري"، وكأن أزمات الداخل يمكن أن تُحلّ بتصديرها للخارج. استنتاج خاطئ، لأن الدولة التي تواجه تمرّدات إثنية وأزمات اقتصادية، لا يمكنها إقناع العالم بأنها تقود مشروعاً إقليمياً مستقراً؛ فكيف تطالب بمنفذ إلى البحر، وتعجز عن تأمين الطرق بين المدن الرئيسية؟ وكيف تلوّح بالقوة في وجه الجيران، بينما القوة نفسها مستنزفة في الداخل؟إن إثيوبيا مطالبة بإعادة بناء البيت من الداخل؛ فأي دولة تعتمد الحسم العسكري أداة وحيدة لفرض الهوية الوطنية تكتب "وثيقة تفككها" الآتي. الدول لا تُبنى بالأحجار فقط، بل بالخيال الجمعيّ الذي يربط التنوع العرقي بفكرة "العقد الاجتماعي" و"الهيبة الاتحادية". وعندما ينكسر هذا الخيال، تحلّ دراما التفكك التاريخي؛ ولا شك في أن اشتداد الصراعات الداخلية والخارجية يطرح سيناريوهات مفزعة لمآلات المشهد الإثيوبي، منها: سيناريو "التشظي"، لغياب القدرة على الحسم العسكري وضعف السلطة المركزية، ما قد يحول البلاد إلى مجالات نفوذ عرقية، ما يفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد؛ وبالتالي "الانفجار الإثيوبي" في موجات نزوح هائلة لدول الجوار المنهكة: السودان، الصومال، جيبوتي.سيناريو آخر يترتب على ذلك؛ أن تغري هشاشة أديس أبابا أطرافاً إقليمية (مثل إريتريا) باللعب على التناقضات الإثيوبية، لحماية مصالحها الذاتية، ما يحول القرن الإفريقي إلى ساحة لحروب بالوكالة. كما تنظر مصر والسودان بقلق لاحتمالات التصدع الإثيوبي والحروب الأهلية عند أعالي النيل الأزرق، بوصفها تهديداً للأمن المائي لدولتي المصب؛ إثيوبيا مستقرة وقوية أقدر على توقيع اتفاقيات قانونية ملزمة، من دولة متصدعة تعصف بها القلاقل.لا تكمن المشكلة الإثيوبية في الجغرافيا ولا في شح الموارد، بل في "أزمة الشرعية". أخفقت النخب الإثيوبية المتعاقبة في بناء دولة المواطنة الجامعة، واختارت طريق "الإخضاع" لا "التوافق"؛ واشتعال الأوضاع بين الجيش الفيدرالي و"تيغراي" و"فانو" وغيرهما جرس إنذار أخيراً. فإما إعادة صياغة العقد الاجتماعي على أسس عادلة للجميع، وإما سقوط البلاد في هاوية التفكك. وحينها، لن تقف شرارات الحريق عند حدود إثيوبيا، بل ستطال شظاياها شواطئ البحر الأحمر وضفاف النيل.لم يعد السؤال: من سينتصر إذا استعرت المواجهات، بل ماذا سيبقى من إثيوبيا بعدها؟! فكلما طال الصراع، تراجعت فرص التسوية، وارتفعت كلفة إعادة بناء الدولة والثقة بين مكوناتها، وتقدّمت سيناريوات إعادة تشكيل موازين القوى داخل البلاد وخارجها؛ فمن يفتح كل الجبهات دفعة واحدة، ثم يطلب من العالم أن يصدّق أنه الأقوى في الإقليم، يخاطر بأن يكتشف، متأخّراً، أنه "نمر من ورق"!برغم ذلك، يبقى استقرار إثيوبيا مصلحة تتجاوز الإثيوبيين، لأنه مصلحة مباشرة لدول القرن الإفريقي وحوض النيل. تحتاج المنطقة إلى دولة إثيوبية مستقرة، تتصالح مع نفسها، وتبني علاقتها بجوارها على المصالح المشتركة لا إدارة الأزمات!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد