: آخر تحديث

شلة المرسم.."الحكاية 24"

2
2
1

عندما عاد الكاتب المسرحي والإعلامي والشاعر محمد عبدالله العثيم من الولايات المتحدة الأمريكية حاملاً درجة الماجستير في القوانين الإعلامية عام 1979، كان الضابط عبدالله الكعيد أول من اصطحبه إلى شلة المرسم، غير أن حكاية الشلة بدأت قبل ذلك بسنوات.

في عام 1976، جمعهما مكتب المذيعين في المحطة القديمة للتلفزيون السعودي، حين كان الكعيد ينتظر دخوله إلى الاستوديو الوحيد آنذاك لتسجيل حلقة من برنامج «العيون الساهرة»، بينما كان العثيم يعمل مذيعاً في محطة تلفزيون القصيم قبل انتقاله إلى تلفزيون الرياض. كان ذلك اللقاء الأول، لكنه لم يكن الأخير.

يستعيد الكعيد تلك اللحظة قائلاً: إن وجه محمد العثيم بدا له مألوفاً منذ الوهلة الأولى، فيما كان العثيم يعرفه من خلال البرنامج الأمني الذي يقدمه. ويتذكر أن المكتب كان يضم في ذلك اليوم المذيع محمد الرشيد، والشاعر أحمد السعد، صاحب قصيدة الأغنية الشهيرة «فوق الرمال الحمر» التي تغنى بها الراحل "فتى الجزيرة" سعد إبراهيم.

تكررت اللقاءات بعد ذلك داخل أروقة التلفزيون، حتى عرف الكعيد أن العثيم يسكن في شارع عسير بالقرب من مستشفى الشميسي، بينما كان هو يقيم في منتصف الشارع، وتحديداً في حي الجرادية. إذ لم يكن يدور في خلده آنذاك أن العلاقة بينهما ستتجاوز حدود الصداقة، ليصبحا لاحقاً أقرباء من جهة الزوجات.

ومع الأيام، تحولت اللقاءات العابرة إلى جلسات ليلية دائمة. وبحكم صداقة الكعيد بالفنان حمد الطيار، اتسعت الدائرة التي جمعتهما لتشمل الفن والشعر والكتابة. وعندما غادر العثيم إلى الولايات المتحدة لم تنقطع الصلة بينهما، بل ظلت رسائل البريد تعبر المسافات باستمرار، قادمة من مدينة فرزنو بولاية كاليفورنيا، حاملة أخبار الدراسة وأحوال الغربة.

عاد العثيم عام 1982، وفي تلك الفترة كان الكعيد من رواد شلة المرسم، فوجد أن أول ما ينبغي أن يفعله هو تعريف صديقه بالمكان ورواده. كان العثيم قد ابتعد سنوات عن المشهد الفني، ولا سيما المسرح والدراما التلفزيونية، لذلك لم يكن يعرف معظم الوجوه الجديدة التي أصبحت ترتاد الشقة. وفي ليلة لا يزال الكعيد يحتفظ بتفاصيلها، دخل العثيم شقة المرسم للمرة الأولى، وكان هو حلقة الوصل التي قدمت الوافد الجديد إلى أصدقاء الشلة، رغم أن اسمه كان معروفاً في الصحافة والتلفزيون قبل سفره.

ولم تمضِ فترة طويلة حتى أصبح العثيم واحداً من أكثر رواد المرسم حضوراً. وحتى عندما ابتعث الكعيد إلى بريطانيا لأكثر من عام من قبل الأمن العام، بقيت أخبار الشلة تصله أولاً بأول، عبر رسائل العثيم، وأحياناً عبر أشرطة صوتية يسجلها خصيصاً، يحدثه فيها عن اللقاءات الجديدة، وعن المشاريع الفنية التي تجمعه بالممثلين والمخرجين والشعراء والمغنين.

ومن أبرز تلك الأعمال المسرحية التلفزيونية «أحلام سلوم»، بطولة ناصر القصبي وعبدالله السدحان، وإخراج عامر الحمود. كما بقيت في الذاكرة إحدى الليالي التي حضرها الفنان الشعبي حمد الطيار برفقة محمد العثيم، حيث غنى أجمل النصوص التي كتبها العثيم، ومنها: «لمحت البرق في صيف وسما صافي»، و«ألا من يبلغ حبيب نسى ما جرى لي»، و«الشمس سطع نوره لأجل المزايين»، و«يا مرجعات الصوت بطويق صوتين»، و«صاحبي جاني عاني يشكي جرح بقلبه»، وغيرها من النصوص التي كانت تتردد في جلسات المرسم.

ورغم أن محمد العثيم انضم إلى شلة المرسم متأخراً، فإنه سرعان ما أصبح أحد أكثر أعضائها حضوراً وتأثيراً. فقد كان، رحمه الله، غزير الإنتاج في المسرح والأغنية، كما لم يتوقف عطاؤه في الصحافة الورقية، سواء بكتاباته الأسبوعية أو اليومية. وبين صفحات الصحف، وخشبة المسرح، والأغنية، وجلسات المرسم، ظل قلمه حاضراً، وظلت روحه جزءاً من ذلك المكان الذي احتضن جيلاً من الفنانين والمبدعين، حتى رحل تاركاً وراءه سيرة تستحق أن تُروى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد