كلما تأزمت الأمور في منطقة الشرق الأوسط، ظهر صوت العقل والحكمة من المملكة العربية السعودية، وتدخل ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتخفيف التصعيد ومحاولة السيطرة على الوضع بالحكمة والعقل، ودائمًا كان ينجح في هذا الجانب، حين يتحاور مع المعنيين بالأزمة، ويسعى جاهدًا لحل الأمور وفق ما تقتضيه المصلحة العامة للمنطقة. في الآونة الأخيرة، تعقدت الأمور في المنطقة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إذ أمر الرئيس الأميركي بالعودة إلى ضرب إيران بعد أن عادت الأخيرة إلى سلوكها العدواني بمحاولة منع السفن التجارية في مضيق هرمز، مما جعل الأوضاع أكثر تأزمًا في المنطقة، وأصبحت المؤشرات أكثر خطورة لو استمر التصعيد بهذا الشكل، إلا أن الأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة، تدخل باتصال عاجل مع الرئيس الأميركي ترامب، واستطاع أن يوقف الضربة العسكرية تجاه إيران، وأن يفتح نافذة جديدة من الحوار الدبلوماسي، الذي قد تكون من خلاله هناك حلول فعلية تضمن سلامة المنطقة من الدخول في حرب قد يطول أمدها، والمنتصر فيها خاسر مهما كانت الظروف.
إيران دولة تضمر الشر مرارًا وتكرارًا لكثير من دول المنطقة، بحجج واهية لا يمكن أن تنطلي على أحد. ما زلنا نقول إن إيران شر يهدد أمن المنطقة واستقرارها من كل النواحي، ومن الأفضل التعامل مع هذا الشر بكثير من الحكمة، وعدم الانصياع لكل ما تفكر فيه إيران لكسب الوقت، ومحاولة العودة إلى الوضع الطبيعي، وتجاوز أزمة الخسائر التي مُنيت بها بعد الحرب الأميركية. النظام الإيراني نظام إرهابي حقيقي، ومهما كانت الحلول مهمة وتفيد مستقبل إيران ودول المنطقة، لا يمكن أن نأمن شرها. وربما كان التوجه الأساسي مع بداية هذه الحرب هو الأفضل والأصلح للمنطقة، لو سارت الولايات المتحدة نحو تحقيقه، وهو تغيير النظام في إيران، وذلك من خلال إسقاط حكم الملالي. هذا التغيير، لو تم، قد تحل من خلاله مشاكل المنطقة برمتها، والتي تُعتبر إيران المحور الذي يفتعل الأزمات.
ما زالت الجهود حثيثة لتجنيب المنطقة أزمات كثيرة قد تخلفها هذه الحرب خلفها، وما زالت بعض دول المنطقة تعيش حالة من التوتر والقلق. الكل ضد أن تكون هذه الحرب مفتوحة الزمن، ومن الظلم أن تعيش المنطقة وهي تحت هاجس ما قد تفعله إيران. إذن، من الحلول العاجلة محاولة التركيز على اجتثاث هذا النظام من جذوره، ومحاولة فرض نظام سلمي جديد في إيران يفتح المجال للإيرانيين لكي يختاروا مصيرهم السلمي، الذي يضمن لهم تعايشًا مستقرًا مع دول المنطقة، وهذا لن يحدث إلا حين تعود الولايات المتحدة إلى مشروعها وهدفها السابق بالقضاء على هذا النظام، وإحلال نظام جديد يتأسس معه مستقبل جيد لدولة إيران ودول المنطقة.
أصبح اليوم تحويل هذه الأزمة إلى الجانب الاقتصادي، من خلال إغلاق مضيق هرمز أو محاولة السيطرة عليه من الجانب الإيراني، خطرًا كبيرًا يضر مصالح كثير من الدول. هذه الورقة لن تخدم النظام الإيراني طويلًا، وقد تكون هناك فرص كثيرة لمحاولة حل الأزمة وفق الطرق السلمية، كما يفعل الآن ولي العهد السعودي. ومن الحكمة والعقل أن تستفيد إيران من هذا التدخل، وتحاول أن تعيد النظر في تفاصيل الاتفاق بين أميركا وإيران، من خلال الاستجابة لكل بنود الاتفاقية، التي هي، في تقدير كثير من المحللين السياسيين، طوق نجاة لإيران وتخفيف لخسائرها. لكن، مع الأسف، لا أحد يعرف كيف يفكر النظام الإيراني، ولا أحد يفهم ماذا يريد من كل هذا الخراب؟ عمومًا، إيران اليوم أمام فرصة حقيقية لإثبات حسن النية، من خلال فتح الملاحة في مضيق هرمز، والتخلي عن كل القيود المفروضة في هذا المضيق، ودون أن يحدث ذلك ستبقى خيارات الحرب مفتوحة، وستكون إيران هي الخاسر الأكبر. وإن عادت الحرب في هذه المرة تحديدًا، فستكون النتائج أكثر تأثيرًا على الإيرانيين.


