: آخر تحديث

حزب الله: مصنع القدّيسين ومقبرة المحاسبة

6
5
6

تعود ذكرى تفجيرات أجهزة البايجر في 17 و18 أيلول (سبتمبر) 2024، واغتيال حسن نصرالله في 27 منه، لتطرح السؤال الذي ينبغي ألّا تطمسه الصور والخطابات: كيف انتهت أسطورة التفوق الأمني إلى هذا الانكشاف؟ وكيف تحوّلت وعود الحماية إلى كارثة؟ هذه وقائع لا يُلغيها مرور الزمن، ولا تُصلحها مراسم التأبين.

لكن حزب الله يريد من الذكرى شيئًا آخر: إعادة إحكام قبضته على جمهوره باعتبارها محطة لـ"تجديد العهد" ورفع معنويات بيئته. هنا، تحديدًا، تكمن وظيفة الحداد السياسي: تحويل الخسارة إلى التزام جديد بالطاعة. بدلاً من أن تدين الكارثةُ القيادةَ، يصبح الجمهور مطالبًا بإثبات وفائه لها. الميت قدّيس، والناجي مدين، والسائل خائن. هذا ليس وفاءً للضحايا، إنه ابتزاز للأحياء بدمائهم.

أما مقاطع "القادة" القتلى، فالمطلوب التعامل معها باعتبارها مادة للنقد، لا ذخائر مقدسة. انزعوا الموسيقى الحزينة، وكثرة الألقاب، وهالة الموت، ثم اسألوا: أين الفكرة؟ أين معرفة العالم؟ أين الحساب المسؤول للكلفة البشرية؟ التبسيط الفج ليس بصيرة، والاستعلاء ليس شجاعة، واليقين المحفوظ ليس استراتيجية. لا يصبح الكلام عميقًا لأن صاحبه قُتل، ولا تتحول الضحالة إلى حكمة بالمونتاج. صناعة القدّيسين هنا ليست تكريمًا للميت بقدر ما هي تحصين لقراراته ضد المحاسبة.

وفي كارثة البيجر، لا يحتاج الفشل إلى مؤثرات بصرية كي يظهر. لقد تراجعت فعالية اختراق سلسلة التوريد، وصناعة غطاء تجاري مضلل للأجهزة، واستدراج مسؤول المشتريات بأي عرض. هذه ليست مسألة يمكن إقفالها بخطبة عن التضحيات، إنها انهيار في صميم الوظيفة التي طالما تفاخر الحزب بإتقانها: الأمن.

هل فتح الفساد باب الاختراق؟ يجب التحقيق في هذا الاحتمال، لا تقديمه كحقيقة مثبتة بلا أدلة. لكن الحزب لا يملك حق الاحتماء بسرّيته إلى الأبد. من اختار المورّد؟ من أجاز الشراء؟ من تولّى الفحص؟ وأين نتائج المحاسبة؟ الشبهة لا تُحسم بالنشيد، بل بالعقود والتحقيق. ومن يطلب من جمهوره تسليمه روحه لا يستطيع اعتبار السؤال عن سلامتها تطاولًا عليه.

ولا تمحو الوثائقيات هذه الفضيحة. حتى رواية المهندس الذي اقترب من كشف الفخ، كما يعرضها وثائقي "المصيدة" من إنتاج الجزيرة 360، تعيدنا إلى أصل السؤال: كيف دخل الفخ إلى المنظومة أصلًا؟ البطولة الفردية، مهما كانت حقيقية، ليست شهادة براءة للمؤسسة. والإعجاب بمن حاول اكتشاف الكارثة لا يعفي من سمح بوصولها إلى أيدي الناس.

ثم تأتي الوقاحة في مطالبتنا بتعطيل التمييز. كان بين الضحايا مدنيون وأطفال، وكان بين مستخدمي الأجهزة مقاتلون. الاعتراف بالحقيقة الأولى لا يفرض إنكار الثانية، والثانية لا تبرر قتل المدنيين. نحن اللبنانيين لسنا ملزمين بالاختيار بين تبرئة إسرائيل وتبرئة حزب الله. إدانة الهجوم لا تستوجب تزوير وظيفة الأجهزة، والتعاطف مع المصابين لا يستوجب منح قيادتهم حصانة أبدية. الضحية تستحق الحقيقة، لا استخدامها ستارًا يحجب المسؤولية.

نعم، قاتل الحزب إسرائيل، إنكار ذلك ليس تحليلًا. لكن قتال إسرائيل لا يثبت أن حماية لبنان هي المعيار الذي يحكم قراره. والفارق هائل بين تنظيم يخوض الحرب، وتنظيم يملك استراتيجية تحمي مجتمعه من نتائجها. حين تصبح مراجعة القرار ممنوعة، ويُطلب من الناس تعويض كل فشل بمزيد من الولاء، تغدو السيطرة عليهم أهم من سلامتهم.

هنا يظهر احتقار قيادة الحزب وراعيه الإيراني للحياة: يصبح الإنسان وسيلة لاستمرار المشروع، لا غايته. احترام الناس يعني أن يُسأل القائد عمّا فعل بحياتهم، لا أن تتحول جنازته إلى أمر بمواصلة الطريق نفسه. وأن تُصان حياة الناجين، لا أن يُعاد تجنيد أحزانهم.

والأخطر هو محاولة إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية لشيعة لبنان: أن تصبح الخسارة مناسبة للاحتفال، والهزيمة مدعاة للفخر، وقبور الأبناء منصّات لتجديد البيعة لمن بدّد حياتهم. يريدهم الحزب أن يرقصوا على قبور أولادهم بدلاً من أن يحاسبوا من قادهم إليها. هنا تتضح وظيفة العراضات المحيطة بمقتل القادة وتشييع الضحايا: ليست إتاحة المجال للحزن، بل فرض معنى واحد له، تُجرَّم فيه الأسئلة ويُختزل الوفاء بالطاعة. ليست المشكلة في أهلٍ يكرّمون أبناءهم، بل في قيادة تصادر حزنهم لتعيد إنتاج سلطتها عليهم. شيعة لبنان ليسوا جماعة بلا عقل أو إرادة، لكن الحزب يريد تعطيل قدرتهم على النقد، واختزال ذاكرتهم في روايته، وتحويل أجيالهم إلى وقود للحرس الثوري الإيراني الذي خذلهم مرارًا وتكرارًا. وليس من حقّه أن يفرض مفاهيمه السياسية والدينية على مجتمع لا يختصره ولا يملك مستقبله. إنّ تحويل ذاكرة الناس إلى أداة تُلزمهم بتكرار مأساتهم جريمة سياسية وأخلاقية بحق الشيعة، وبحق اللبنانيين جميعًا.

هذه الذكريات ليست بديلًا من المحاسبة، بل سبب إضافي لها. أمّا تحويلها إلى مصنع قدّيسين، فليس سوى محاولة لإلباس الفشل حصانة مقدسة. سيواصلون الانتقال من نفق إلى آخر، ويسمّون كل عتمة انتصارًا، إلى أن يصلوا إلى نفق قريب منك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.