مَن تعامى عن معرفة الخط السياسي المرسوم منذ عهد الملك المؤسس عبد العزيز، تجاه الداخل السعودي وخارجه، خصوصاً تأمين الداخل، ودعم استقرار اليمن واستقلال سوريا واستتباب العراق وغيرها، يتساءل عن أسباب عدم تعجل المملكة العربية السعودية في الرد على الاعتداءات الإرهابية التي طالت الأعيان المدنية فيها، بما في ذلك اعتراض مُسيّرات طالت مكة المكرمة.
كل ما على الأرض السعودية مبارك، وراعي هذه المقدسات لن يهدأ له بال من دون أن يحسم الموقف في أوانه المحتوم... فيعوّض مَن أيقظتهم إنذارات الخطر المبكر (فجر السبت 19 سبتمبر/أيلول 2026)، ثم أشعرتهم بزوال الخطر ليناموا بعدها آمنين، قريري العين هادئي البال؛ في «بلاد لا يصلحها غير الأمن والسكون»، حسب إحدى رسائل الملك عبد العزيز.
ذاك عهد السائرين على خطى عبد العزيز، وفق ما رسم من خطط، وأرسى من نَهجٍ وأُسسٍ ثابتة منذ التوحيد حتى التجديد. الذكرى السادسة والتسعون للمملكة (23 سبتمبر) تستحضر حقيقة راسخة: التعامل اليقظ مع الأخطار المحدقة، وإحباط محاولات التطويق دليل مناعة قوية تكتسبها الرياض على مر تاريخها المعاصر.
حالما تقارن بين رسائل الملك عبد العزيز في عهده والوقائع الجارية الآن في عهد الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ستُوقن أن السياسة ثابتة. نهج الأجداد يتداوله الأولاد والأحفاد، وبأدوات عصرهم يسيرون على الخطى والخطط ذاتها.
مراجعة المواقف وتقديرها ثم اتخاذ القرار في الأوان المناسب، من أوضح خطوط سياسة المؤسس التي تشرحها «مذكرات تركي بن ماضي عن العلاقات السعودية-اليمنية» وغيره من المراجع التاريخية المهمة لقارئ تاريخ هذه الدولة العريقة، التي ستحتفل عام 2027م بثلاثمائة سنة على نشوء الدولة الأولى.
يتبيّن لقارئ تاريخ الملك المؤسس عمق إيمانه ويقينه بأنَّ «الأمور رهينة أوقاتها»؛ بعدما «ظل يتحمل ما لا يحتمل لموجب مصلحة الجميع»... وأنَّه حين «يسأم الناس من الصبر» على بعض الأمور، ويستغيثون به «لا يجد بداً من إجابة الطلب»، والحزم في وقته، وبالأسلوب المناسب، لئلا تملأ نفسه الحسرات. كيف لا وهو الذي يقول أو يردد:
«الحزم أبو اللزم أبو الطفرات
التَرك أبو الفرك أبو الحسرات»
شواهد وفيرة على تأنّي عبد العزيز وتروّيه قبل حسم حالات معينة، بعد مهلٍ عديدة تدل على محبته للسلم؛ أحد الشواهد دوّنها الشيخ عبد العزيز التويجري ضمن سِفرِه التوثيقي الضخم «لسراة الليل هتف الصباح (إصدار جداول للنشر)» بأنه «يمشي ساعةً ويقيم أياماً سيراً بطيئاً ليس فيه لهاثٌ وراء معركة لا يريدها...».
بقي عدم اللهاث وراء الحرب سُنةً سعودية أصيلة، لا سيما أن «أهل أطرافنا لا يحبون الفتن ولا يوقظونها، وإنما يحبون السلم والراحة، ولكن في حالة الذود والدفاع عن الشرف لا يؤخّرون أنفسهم وأموالهم دقيقةً واحدة، ولا يقبلون عن ذلك بديلاً»، وفق ما تضمنه كتاب الملك عبد العزيز إلى الإمام يحيى في أوائل ثلاثينات القرن العشرين.
وفي الكتاب نفسه أعلمَ نظيره اليمني: «إننا متوكلون على الله، فمن وفّى معنا وفّينا معه، ومن غدر بنا فالله هو الذي عوّدنا الجميل بنصره لنا على كل من غدر».
الحرب نار يشعلها التهور، وتطفئها الحكمة، واحترام المواثيق والالتزام بما يعزز السلام ويصون كرامة الجميع.
خط الرياض واحد، ونهجها واحد وواضح منذ المؤسّس الموحد حتى المجدد. ومن لم يعِ هذا ويتعامى عنه فسيعيش التاريخ من جديد.

