عام 1835، قال قيصر روسيا نيقولا الأول لسفير بريطانيا هاملتون سيمور عن الدولة العثمانية: "بين أيدينا رجل مريض" و"ستكون مصيبة كبرى إن ذهب من أيدينا، قبل أن تُتَّخذ الترتيبات اللازمة".لم يخشَ القيصر على المريض، بل خشي من موته قبل أن يتفق الطامعون. وبعدئذ استمرت الدولة العثمانية خمساً وستين عاماً. ولم يكن لتركيا أن تحيا بعدها إلى أن قام أتاتورك بالقطيعة مع العثمانية وتأسيس عصبية قومية جديدة.أمثلة كثيرة في شرقنا على غرغرينا الدولة الوطنية، التي لا يُسمح لها بالانهيار، لكن لا تُترك لحالها لتشفى!وتبدو سوريا بالذات في وضع هو الأخطر. تتعفن فيها الأنسجة، بينما يواصل القلب ضخّه، وتبقى بطاقة الهُوية سارية.الدولة مجوّفة محنّطة، فلا هي بفاشلة، مدفونة، بل تترك كخيال مآتة تحتفظ بقشرة قانونية: العَلَم، المقعد الأممي، العملة، الشخصية الدولية، ختم الجمارك، أما وظائفها الداخلية فتتعفّن واحدة تلو الأخرى، كمريض في الإنعاش يبقونه حياً لا رحمةً به، بل لحسابات شركات التأمين: فاستخراج الريع من قشرة فارغة أرخص بكثير من الضمّ الصريح أو الاحتلال، أو التقسيم.ظهر نهج تحنيط الدول المتفسخة منذ نهاية الحرب الباردة؛ فلقد ضاق الدافع الاقتصادي لاستعمار الدول الضعيفة، لينحصر في هيمنة القوة: حقل، معبر، أنبوب، ميناء، خط تهريب. الاحتلال مكلف للمستعمرين، والإدارة مسؤولية. في المقابل، بقي النظام الدولي الوستفالي يحتفظ بوجود قانوني لدول عاجزة عن أبسط وظائفها؛ لتبقى الحدود مجمّدة، والدول في غرفة الإنعاش، ريثما تجري القسمة بين المتدخلين عبر الوكلاء والعملاء وبلطجية أمراء الحرب.وصف روبرت جاكسون هذه الحالة بـ"السيادة السلبية": يغنيك اعتراف الآخرين عن تحقيق وظائف الدولة داخلياً. وما بدا في الحالات الأفريقية استثناءً، صار في منطقتنا، وفي الفضاء الشامي خاصة، قاعدةً تُدار عن سابق تصميم.ليس هذا انهياراً. إنه تحنيط مسبق متعمَّد لجسد يتفسّخ، فلا يعود التفسّخ مجرد عرض للفوضى، بل شرطاً من شروط المعادلة في الدولة المجوّفة، فتضمن التبعية من دون الحاجة لوصاية معلنة، فتعمل الميليشيات والسلطات الموازية بلا عقاب، وتلتهم الحقل القسري من الدولة، بينما تتآكل مؤسساتها الرسمية، ذلك أن تعافي البلاد يشلّ قبضة المتدخلين: قضاءٌ يسائل العقود، وجيشٌ وطني يستند لعقد وطني جامع يحتكر السلاح.
في غرغرينا الدولة الوطنية: مريضٌ لا يُشفى، ولا يُترَك ليموت
مواضيع ذات صلة

