نقرأ في مذكرات وزير الخارجية البريطاني، اللورد إدوارد غراي في أوائل العقد الثاني من القرن العشرين ما يفيد بأنه «في الأشهر الأولى من عام 1914، بدت سماء العالم أكثر صفاءً مما كانت عليه».
لكن رغم ذلك، اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد أشهر قليلة، وأودت بحياة 40 مليون شخص، وهو ما لم يكن أحد يتوقعه، بمن فيهم اللورد غراي نفسه، وإن كان جميعهم قد استنتجوا أنَّها حدثت لأنَّ القوى العظمى لم تتمكن من حل النزاعات الصغيرة التي غذَّت مجتمعةً حرب 1914.
تبدو حركة الجيوسياسة العالمية مختلفة اليوم اختلافاً جذرياً، فلا هدوء يعم، بل عواصف تدوِّي شرقاً وغرباً، فيما الحرائق منتشرة، والسماوات ملبَّدة بالغيوم، كأن الجميع ينتظر إشارة بدء معركة عالمية.
في هذه الأجواء والأنواء، يلتقي الزعيم الصيني شي جينبينغ نظيره الأميركي في البيت الأبيض غداً (الخميس)، في قمة تسبقها خلافات معمقة حول من يرسم خرائط العالم.
لا هنا لسرد وعرض نقاط الاختناق والاشتباك بين واشنطن وبكين، ولكن حال تفعيل خرائط الجغرافيا وبسط أضابير التاريخ، يمكننا الإشارة إلى أربع خرائط مؤكَّدة، تبدو القمة كأنها تلتقي عند تقاطعاتها:
- الخريطة الاقتصادية: حيث مواجهات الرسوم الجمركية، والأهم سلاسل التوريد العالمية، عطفاً على قضايا الزراعة والمحاصيل، واستيراد الطائرات.
- الخريطة التقنية: على رأسها تشارعات الذكاء الاصطناعي، ومن يقود العالم تكنولوجياً، بما في ذلك معارك الرقائق المعدنية، والمواد النادرة الطبيعية، إلى جانب مراكز البيانات والحوسبة الكمية.
- الخريطة السياسية: تشمل ما يجري في منطقة الإندوباسيفيك، والمسألة التايوانية، من غير نسيان بحر الصين، والتغيرات الجذرية في آسيا، لا سيما تسلح اليابان، والتحالف مع موسكو.
- الخريطة الأممية: المقصود بها أوضاع النظام العالمي، حيث الملفات المتشابكة، لا سيما الأوضاع في الشرق الأوسط، وإيران في القلب، وأحوال أميركا اللاتينية ونشاطات بكين هناك.
هل هذه قمة «إطفاء الحرائق»، أو التوصل إلى صفقة كبرى؟
المتابعة الدقيقة للإعلام الأميركي، ومراكز الأبحاث، تفيد بأنه من المستبعد حدوث ذلك، وبخاصة في ظل حالة الفوضى الجيوسياسية الكبرى التي تضرب المسكونة من أقصاها إلى أدناها. غير أن ذلك لا يعني أنه لن تكون هناك بصورة أو بأخرى محاولة للتركيز على إدارة التنافس، منعاً للصدام أو الاحتكاك، وحدوث مواجهات مفتوحة.
في هذه القمة ينبغي أن تكون مخاطر التنافس الجامح واضحة للرجلين كليهما، فالصراع الخارج عن السيطرة بين القوتين العظميين في العالم، قد يكون كارثياً على بلديهما، وعلى الخليقة برمتها.
يمكننا كذلك التساؤل: هل يدرك ترمب وشي أن الهدنات المؤقتة بشأن التجارة والتعريفات الجمركية، أو النيات المعلنة عن مكافحة المخدرات، لا تكفي لتغيير مسار العلاقات الأميركية - الصينية، بل يمكن أن تؤدي إلى انزلاق نحو الهاوية؟
يكمن سر المواجهة الفردية في الاعتقاد بإمكانية حسم الصراعات العسكرية أو السياسية الأكبر والأكثر تعقيداً بين الحضارات أو الأمم، من خلال اختبارات فردية للشجاعة والفطنة والشرعية.
لكن، ربما كان هذا المفهوم يصلح في العصور القروسطية، لكن في قمة الغد، هناك مواجهة عصرية تحمل في طياتها دلالات واضحة للمواجهة الفردية بين طرفين جيوسياسيين عملاقين.
مع وصول العلاقة بين البلدين إلى مفترق طرق، يأتي كل منهما إلى طاولة المفاوضات مع حجم ضئيل من المؤسساتية، وحرية شخصية واسعة، وطموح واضح لتفعيل المرحلة المقبلة من العلاقات الأميركية - الصينية.
ولعله من المثير القول إن مقارنة سريعة بين ترمب وشي، تكشف عن زعيمين رغم اختلاف نظاميهما السياسيين اختلافاً شاسعاً، يتشاركان بعض الغرائز المتعلقة بالسلطة والقومية والتنافس العالمي.
يلفت النظر أنه وقبل أيام من القمة، أظهر ترمب رغبةً في عدم التصعيد مع بكين، ذلك أنَّه حين سُئل عن تزويد الصين لإيران بصور أقمار اصطناعية لقواعد عسكرية أميركية، جاء رده كأنه يبرر الفعل عينه، وبخاصة أن واشنطن تفعل الشيء نفسه تماماً، الأمر الذي نسف كل قواعد الغضب الدبلوماسي.
هنا من الواضح أن سيد البيت الأبيض يسعى في محاولة جادة لتجنب حقول الألغام قبل القمة، مفضلاً بذلك مقاربة واقعية تعترف بتكافؤ المناورات الاستخباراتية بين القوتين العظميين خلف الكواليس.
قد تفاجئنا قمة الغد بتطورات إيجابية تصب في صالح ترمب والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لتعوِّض بذلك إخفاقات قمة مايو (أيار) الأخيرة التي أبقت على «استقرار استراتيجي بنّاء»، أي سلام غامض بلغة شي، فيما لا يزالان عالقَين في ديناميكية من الغموض، تتسم بجولات لا تنتهي من دبلوماسية «الخنق» العقابية. وللحديث عودة.

