ونحن نحتفل باليوم الوطني السادس والتسعين للمملكة العربية السعودية، نستعيد ذكرى يوم تاريخي اكتمل فيه توحيد هذا الكيان الكبير، وأُعلن فيه قيام المملكة العربية السعودية على يد مؤسسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيّب الله ثراه، بعد ملحمة طويلة من الشجاعة والإرادة والصبر والحكمة.
وليس اليوم الوطني مجرد ذكرى عابرة في التقويم، ولا مناسبة نعود فيها إلى الماضي ثم نطوي صفحته بانتهاء الاحتفال، بل هو وقفة وطنية نستحضر فيها رحلة التأسيس، ونتأمل ما تحقق، ونسأل أنفسنا عما ينبغي أن نقدمه لاستكمال البناء.
فالأوطان لا تكتمل لحظة تأسيسها، وإنما تُبنى في كل يوم، وتتجدد بقوة مؤسساتها، وعدالة أنظمتها، ووعي مواطنيها، وقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، والطموحات إلى منجزات.
والوطن، في معناه الأعمق، ليس مجرد مساحة جغرافية تحدها الخطوط وتثبتها الخرائط، بل هو تاريخ وذاكرة وانتماء ومصير. هو الأرض التي شهدت خطواتنا الأولى، والمدرسة التي تعلمنا فيها، والبيت الذي احتوانا، والوجوه التي أحببناها، والذكريات التي صنعت وجداننا.
الوطن هو المكان الذي لا يكون الإنسان فيه عابرًا، بل مواطنًا له حقوق وعليه واجبات، وله دور في البناء ومسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل.
وقد كتبنا كثيرًا عن اليوم الوطني، كما كتب غيرنا، وتعددت الكلمات والصور والعبارات. ومع ذلك يبقى الوطن أكبر من كل ما نكتب عنه، لأن الكلمات، مهما بلغت فصاحتها، لا تصنع وطنًا ما لم تتحول إلى وعي وسلوك وعمل.
• فالوطن ليس أعلامًا خضراء نرفعها يومًا ثم نطويها بقية العام.
• والوطن ليس نشيدًا نردده بأصوات مرتفعة، بينما تنخفض همتنا في ميادين العمل.
• والوطن ليس صورًا وشعارات ومقاطع عابرة نتداولها في مناسبة سنوية، ثم نعود بعدها إلى اللامبالاة.
• والوطن ليس أحاديث ومقابلات ومقالات نعدد فيها المنجزات ونتغنى بالأمجاد، من دون أن نسأل عن نصيبنا في المحافظة عليها والبناء فوقها.
• والوطن ليس مهرجانات ومسيرات ورقصات واستعراضات تجوب الشوارع، على جمالها وما تبعثه في النفوس من فرح، إذا لم يصاحبها إدراك صادق لمعنى المواطنة والانتماء.
إن مظاهر الاحتفال جميلة ومشروعة، والأعلام والأناشيد والفرح الجماعي تعبيرات صادقة عن المحبة والاعتزاز. لكنها تظل تعبيرًا ناقصًا إذا لم تتحول المحبة إلى التزام، والاعتزاز إلى إتقان، والانتماء إلى مسؤولية.
فحب الوطن يظهر في احترام النظام، والمحافظة على الممتلكات العامة، وأداء العمل بأمانة، واحترام حقوق الآخرين، والتصدي للفساد، وعدم استغلال المنصب أو النفوذ، والإسهام في كل ما يعزز وحدة المجتمع وأمنه واستقراره.
ويظهر حب الوطن في الموظف الذي يخدم الناس بإخلاص، والمعلم الذي يؤدي رسالته بضمير، والطبيب الذي يرعى مرضاه بإنسانية، ورجل الأعمال الذي يوازن بين الربح والمسؤولية، والكاتب الذي يقول كلمته بصدق، والمواطن الذي يؤدي واجبه ولو لم يكن هناك من يراقبه.
فالانتماء ليس امتيازًا نحصل عليه من الوطن من دون مقابل، بل هو عهد أخلاقي متبادل بين الإنسان ووطنه. ومن حق المواطن أن يعيش آمنًا كريمًا، وأن تُصان حقوقه، وتُفتح أمامه أبواب الفرص، ومن حق الوطن عليه أن يعمل من أجله، ويحافظ على وحدته، ويحترم مؤسساته، ويقدم المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
ولا يعني الانتماء أن نصفق لكل شيء، أو أن نصمت عن الخطأ، فالنقد الصادق، حين يكون هدفه الإصلاح وتكون لغته مسؤولة، صورة من صور الوفاء للوطن. أما التجريح والتشهير وإثارة الانقسام وتحويل الاختلاف إلى خصومة، فلا تبني وطنًا ولا تصلح خللًا.
الوطن القوي لا يخاف من السؤال، والمواطن المخلص لا يستخدم السؤال ذريعة للهدم. وبين الصمت الذي يخفي الخطأ، والصخب الذي يضاعفه، توجد مساحة واسعة من الحوار المسؤول والنقد البنّاء والعمل المشترك.
ومن أهم ما تعلمنا إياه مناسبة اليوم الوطني أن قوة الدولة لا تُقاس بما تملكه من موارد وثروات فحسب، وإنما بما تقيمه من عدل، وما تحميه من حقوق، وما تبنيه من مؤسسات، وما تمنحه للإنسان من كرامة وأمن وفرصة للمشاركة والإبداع.
فالعدل هو الذي يحوّل الأرض إلى وطن، والمؤسسات هي التي تحمي الاستقرار من أن يصبح حالة مؤقتة، والنزاهة هي التي تصون ثقة المواطن في دولته، والعمل هو الذي ينقل الأحلام من الخطب والمنصات إلى حياة الناس.
وقد عبّر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عن هذه الحقيقة بكلمات واضحة، حين كان وليًا للعهد، في كلمته بمناسبة اليوم الوطني الثالث والثمانين عام 2013، فقال:
"إن ضمان الاستقرار وديمومته لا يأتي بالتمني، بل بالعمل الجاد لإقامة العدل، بعمل منهجي منظم يقوّي مؤسسات القضاء وأجهزة الرقابة، ويفعّل أدوات رصد الفساد، ويعزز مبادئ النزاهة، وينشر ثقافتها، ويضمن بالتشريعات والأنظمة والقوانين حقوق المواطنين وكرامتهم وأموالهم وأعراضهم".
هذه الكلمات لا تتحدث عن الاستقرار باعتباره مجرد غياب للاضطراب، بل تقدمه بوصفه ثمرة للعدل وقوة المؤسسات وحماية الحقوق ومحاربة الفساد. وهي بذلك تضع أمامنا تعريفًا عمليًا للوطنية: أن يكون الوطن قويًا بنظامه، عادلًا في مؤسساته، أمينًا على حقوق مواطنيه، وحريصًا على كرامتهم.
واللافت في هذه المقولة أنها تبدأ بنفي التمني، لأن الأوطان لا تتقدم بالأمنيات وحدها، ولا تُصان بالعواطف المجردة، ولا يكفي في حبها أن نصفق لها أو نتغنى بأمجادها. إنها تُبنى بالعمل، وتستقر بالعدل، وتزدهر بالنزاهة، ويقوى انتماء أبنائها إليها حين يشعرون أن كرامتهم مصونة، وحقوقهم محفوظة، ومستقبلهم جدير بالأمل.
وإذا كان الملك سلمان قد أرسى هذه القاعدة وربط استقرار الدولة بالعدل وقوة المؤسسات وحماية الحقوق، فإن سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان وضع هذا النهج موضع التنفيذ، ونقله من مستوى المبدأ إلى فضاء العمل الوطني الواسع.
فجاءت رؤية السعودية 2030 مشروعًا شاملًا لإعادة بناء الاقتصاد، وتطوير الإدارة، ورفع كفاءة المؤسسات، وتنويع مصادر الدخل، وتمكين الإنسان، وتوسيع فرص العمل والمشاركة والإبداع.
وفي تجربة سمو ولي العهد تتجسد حقيقة أن الأوطان لا تتقدم بالأمنيات، وإنما بالرؤية والإرادة والقرار والمتابعة. فقد انتقلت المملكة من الحديث عن المستقبل إلى المشاركة في صناعته، ومن انتظار الفرص إلى ابتكارها، ومن الاعتماد الواسع على مورد واحد إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ومن إدارة الواقع كما هو إلى العمل على تغييره نحو ما ينبغي أن يكون.
ولم تكن رؤية 2030 مجموعة من المشروعات الاقتصادية فحسب، بل كانت إعلانًا عن مرحلة جديدة في علاقة المواطن بوطنه، مرحلة تجعل الإنسان محور التنمية وشريكًا في صناعتها، وتفتح أمام الشباب والمرأة آفاقًا أوسع للعمل والمبادرة والقيادة، وتستثمر في المعرفة والتقنية والثقافة والسياحة والرياضة، وتعيد تقديم المملكة إلى العالم دولة واثقة بهويتها، منفتحة على عصرها، وطموحة في أهدافها.
وهكذا يلتقي نهج الملك سلمان مع مشروع ولي عهده: عدل يحمي الاستقرار، ومؤسسات تصون الحقوق، ورؤية تطلق الطاقات، وعمل يحوّل الطموح إلى منجز.
غير أن رؤية الدولة، مهما اتسعت، لا تحقق أهدافها بالحكومة وحدها. فالدولة تستطيع أن تضع الخطط، وتسن الأنظمة، وتبني المؤسسات، وتطلق المشروعات، لكن نجاح هذه الجهود واستمرارها يحتاجان إلى مواطن يؤمن بالعمل، ويقدّر المعرفة، ويحترم الوقت، ويحارب الفساد، ويجعل من الإتقان قيمة يومية لا شعارًا موسميًا.
إن رؤية المملكة لمستقبلها مشروع وطن كامل، وليست برنامج حكومة فحسب. ولكل مواطن موقع في هذا المشروع، سواء أكان مسؤولًا أم موظفًا، معلمًا أم طالبًا، رجلًا أم امرأة، عاملًا أم مستثمرًا، كاتبًا أم مبدعًا. فكل عمل يُؤدَّى بإخلاص يضيف لبنة إلى الوطن، وكل تقصير أو فساد أو إهمال ينتزع لبنة من بنائه.
ومن هنا، فإن أجمل ما نقدمه للوطن في يومه ليس فقط أن نقول إننا نحبه، بل أن نسأل أنفسنا: ماذا قدمنا له؟ هل أتقنّا أعمالنا؟ هل حافظنا على منجزاته؟ هل احترمنا أنظمته؟ هل أدينا واجباتنا قبل أن نطالب بحقوقنا؟ هل وقفنا ضد الفساد والتعصب والإساءة؟ وهل أسهمنا في بناء الإنسان مثلما أسهمنا في بناء الحجر؟
إن الاحتفاء الحقيقي باليوم الوطني لا ينتهي بانتهاء يوم الثالث والعشرين من أيلول (سبتمبر)، بل يبدأ منه. إنه تجديد سنوي لعهد المسؤولية، وتذكير بأن الوطن الذي ورثناه عن الآباء أمانة يجب أن نسلّمه إلى الأبناء أكثر قوة وعدلًا وازدهارًا.
فالوطن الذي وحّده الملك عبدالعزيز بالشجاعة والحكمة، وحافظ عليه أبناؤه من بعده، ويقوده الملك سلمان بالعدل والثبات، ويمضي به الأمير محمد بن سلمان نحو المستقبل برؤية طموحة وإرادة لا تعرف التردد، لا تُصان وحدته بالأمنيات، ولا يُستكمل بناؤه بالشعارات، وإنما بالعدل والعمل والنزاهة والإتقان.
وفي يومنا الوطني، نفرح بوطننا، ونعتز بتاريخه وقيادته ومنجزاته، ونجدد قبل ذلك كله عهد المسؤولية تجاهه.
فبعد كلمات الملك سلمان عن العدل والاستقرار، ورؤية ولي عهده التي جعلت الطموح عملًا والمستقبل مشروعًا، لم يعد المطلوب مزيدًا من الأمنيات.
بل مزيدًا من المسؤولية والعمل.

