: آخر تحديث

في اليوم الوطني.. حين تروي السعودية هويتها بقيمها

3
3
3

في يومنا الوطني، لا نحتاج إلى الاختيار بين الاحتفاء بتاريخنا والتعبير عن طموحنا؛ فكلاهما جزء من حكاية واحدة.. وما يمنح هذه الحكاية قوتها أن يجد الإنسان صداها في الأماكن التي يزورها، والخدمات التي يتلقاها، والفرص التي تتاح له، وفي سلوك من يلتقيهم.. فالسعودية لا تروي هويتها للعالم بالكلمات وحدها؛ إنها تمنح الناس، كل يوم، فرصًا جديدة ليتعرفوا عليها من خلال ما يرونه ويعيشونه..

في اليوم الوطني، لا نستعيد حكاية الوطن لنروي ما مضى فحسب؛ بل لنتأمل كيف امتدت تلك الحكاية إلى حاضرنا، وكيف ستصل إلى الأجيال المقبلة وإلى العالم. فالهوية الوطنية ليست صورة محفوظة في الذاكرة، ولا مجموعة رموز نستحضرها في مناسبة سنوية؛ إنها ما نعرفه عن أنفسنا، وما نمارسه في حياتنا، وما يلمسه الآخرون حين يتعرفون على بلادنا.

ومن موقع عملي في الاتصال الاستراتيجي، أجد أن السؤال الذي يستحق التأمل في هذه المناسبة ليس: كيف نُكثر الحديث عن هويتنا؟ بل: كيف نجعل ما نقوله عنها متسقًا مع ما يختبره الناس على أرض الواقع؟ فالصورة الذهنية قد تتشكل من رسالة أو مشهد، أما السمعة فتحتاج إلى تراكم من التجارب والمواقف التي تمنح تلك الرسائل مصداقيتها.

لقد منحت التحولات التنموية في إطار رؤية السعودية 2030 الهوية الوطنية مساحات جديدة للحضور. فالتراث لم يعد مادة تُعرض للتذكير بالماضي وحده، بل أصبح جزءًا من تجارب ثقافية وسياحية ومعرفية معاصرة. وفي الدرعية والعُلا وجدة التاريخية، كما في مدن المملكة وقراها، تتاح للزائر فرص للتعرف على المكان من خلال عمارته وفنونه وحكايات أهله. وحين يعيش الزائر هذه التفاصيل، تتجاوز معرفته بالسعودية ما سبق أن سمعه أو قرأه عنها.

ولعل أبرز ما يميز الهوية الحية قدرتها على التجدد من داخلها. فالأصالة لا تعني أن يبقى كل شيء على حاله، والتجدد لا يستلزم أن نتخلى عما يمنحنا خصوصيتنا. يمكن للحرفة التقليدية أن تجد جمهورًا جديدًا عبر منصة رقمية، وللحكاية المحلية أن تصل إلى العالم بلغات متعددة، وللشباب أن يقدموا ثقافتهم بأدوات معاصرة من دون أن تفقد ملامحها.

هنا يتجاوز الاتصال الاستراتيجي مهمة التعريف بالمنجز إلى وصل المنجز بمعناه الإنساني. فافتتاح وجهة سياحية، أو إقامة حدث ثقافي، أو إطلاق مبادرة جامعية، يحمل خبرًا يستحق النشر؛ لكن قيمته الاتصالية تتضح أكثر عندما نعرف ما الذي أضافه للإنسان والمكان، ومن شارك في صنعه، وكيف انعكس على حياة المستفيدين منه. تلك التفاصيل هي التي تحول الخبر إلى قصة قابلة للفهم والتذكر.

وللمؤسسات، وفي مقدمتها الجامعات، مسؤولية في هذا الجانب. فهي لا تقدم المعرفة وتؤهل الكفاءات فحسب، بل تتيح للطلبة فرصًا لممارسة المواطنة من خلال البحث والتطوع والابتكار وخدمة المجتمع. وعندما تظهر قيم المسؤولية والمبادرة في سلوك أبنائها، يتعزز حضور المؤسسة في وعي الناس من خلال ما يرونه، لا من خلال ما تقوله عن نفسها. وعلى المستوى الوطني، تتكون الصورة الأوسع بالطريقة ذاتها: من مجموع التجارب التي يقدمها الإنسان والمؤسسات في مختلف القطاعات.

ولم يعد المواطن متلقيًا للسردية الوطنية فقط؛ فقد أصبح أحد رواة تفاصيلها. يحمل الطالب والباحث ورائد الأعمال والفنان والسائح السعودي حكاياته إلى فضاءات محلية وعالمية، وينقل كل منهم جانبًا من صورة البلاد. وفي البيئة الرقمية، تتسع هذه الفرصة وتتضاعف معها المسؤولية؛ فدقة المعلومة، واحترام الآخرين، وحسن تمثيل التجربة الشخصية، ممارسات يومية تسهم في تعزيز الثقة بما يُنشر عن الوطن.

وتتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي للجهات المعنية بالاتصال فرصًا لفهم أسئلة الجمهور، وتحليل أنماط التفاعل، وتقديم محتوى أكثر ملاءمة للغات المتلقين واهتماماتهم. غير أن القدرة على إنتاج الرسائل وتوسيع انتشارها لا تعني، بذاتها، نجاح الاتصال. فقد يحقق المحتوى ملايين المشاهدات دون أن يبدد تصورًا غير دقيق أو يعمّق معرفة حقيقية. ولهذا ينبغي أن يمتد القياس من أرقام الوصول إلى فهم ما اكتسبه الجمهور من معرفة، وما تكون لديه من ثقة، وما دفعته التجربة إلى استكشافه أو مشاركته.

في يومنا الوطني، لا نحتاج إلى الاختيار بين الاحتفاء بتاريخنا والتعبير عن طموحنا؛ فكلاهما جزء من حكاية واحدة.. وما يمنح هذه الحكاية قوتها أن يجد الإنسان صداها في الأماكن التي يزورها، والخدمات التي يتلقاها، والفرص التي تتاح له، وفي سلوك من يلتقيهم.. فالسعودية لا تروي هويتها للعالم بالكلمات وحدها؛ إنها تمنح الناس، كل يوم، فرصًا جديدة ليتعرفوا عليها من خلال ما يرونه ويعيشونه. وفي المسافة بين الحكاية والتجربة، تتعزز الصورة الذهنية وتترسخ السمعة التي تستحق أن تبقى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد