: آخر تحديث

ظَفَرُ السلطة بالجواكر

3
5
2

"ستُبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا
ويأتيك بالأخبار من لم تُزوِّدِ".

طرفة بن العبد


يشير المفكر الأميركي ريتشارد نيد ليبو، في كتابه "لماذا تتحارب الأمم"، إلى أن هنالك أربعة دوافع أساسية للحروب والنزاعات المسلحة بين الأمم، وهي: الخوف من العدو، أي الخشية من الآخر الذي قد يظن الخصم المفترض أنه يشكل الخطر الأعظم عليه، لذا يختلق أسبابًا ما لشن الحرب الاستباقية عليه، والسبب الثاني متعلق بالمصلحة الاقتصادية، أي الرغبة في التمدد والاستحواذ على الموارد والثروات، سواء أكانت تلك الثروات سطحية أم باطنية، والسبب الثالث نفسي معنوي، أي الهيمنة الرمزية أو انتزاع الاعتراف من الطرف الآخر، كما تفعل القوى العظمى في عالمنا اليوم، والسبب الرابع، حسب المؤلف، هو دافع الانتقام والثأر.

وبمقدور المتابع لما جرى خلال الأسبوع الفائت في محافظة الحسكة السورية أن يستشف الأسباب الأربعة في سلوكيات معشر المهتاجين في خيم الحرب، أي شن الغارة على مواقع ما تبقى من قوات قسد من أجل شل قدراتها، بعد أن كفت أميركا عن مساندتها، وفوقها عملت سلطة دمشق على قصقصة أجنحتها وتحجيم قدراتها بطلب من الدولة الجارة التي لا تستسيغ وجود أي كردي مسلح بالقرب منها، هذا بالرغم من أنها متحكمة فعليًا بقيادة حزب العمال الكردستاني، كما أن معظم المناطق السورية باتت خاضعة لنفوذها، ولكن يبدو أن الجارة تخشى من اليقظة وانتشار الوعي القومي بين قاعدة الحزب المذكور، والخوف من انقلاب القاعدة على القيادة التي باتت مناهضة لأهداف حاضنتها وتطلعاتها، والسبب الثاني كامن في رغبة تلك العشائر في السيطرة على مقدرات المحافظة وانتزاعها من يد من تبقى من قوات قسد، وإذا ما تجاوزنا السبب الثالث للحرب، فمن المرجح أن السبب الرابع حاضر في دخيلة معظم المهتاجين، حيث إن هزيمة تنظيم داعش على يد قوات سوريا الديمقراطية، قسد، تركت جرحًا غائرًا في دواخلهم، ولديهم الاستعداد الدائم للانتقام والثأر لذلك التنظيم.

وحقيقةً، إن كل ذلك قد يبدو متوقعًا إن كان شَوْرُ تلك المجاميع المسلحة من رأسها وقرار الحرب بيدها، وفي حال لم تكن حركة تلك الطائفة المهتاجة بالأصل مدروسة ومنظمة من قبل جهة فاعلة داخل السلطة، وأن غاية التهديد بها هي إحداث الضغط المطلوب في الوقت المحدد، ما يعني أن تهديداتهم لم تكن هيصات عابرة، إنما كان المشاركون في التحشيد من أجل العدوان يعون تمامًا ما يفعلونه، بما أنهم أدوات الضغط اللازم وجواكر كل سلطة.

وبخصوص الخيم الأربع التي نُصبت في مناطق متفرقة من محافظة الحسكة، كانت قد تشعبت التأويلات حيالها، إذ سُميت من قبل بعض أصحاب الفكر المدني خيم التهيؤ للغزو والإغارة على ما تبقى من الممتلكات، ومنهم من قال بالفم الملآن إنها خيم التحريض، ونُصبت بأمر مباشر من مخابرات دولة مجاورة، ومنهم من رأى أن أصحابها عبّروا عن توقهم إلى إنعاش مهارة السلب والنهب التي حفظوا أصولها بالتوارث، بما أنهم ترعرعوا على إيقاع قصصها، ومنهم من اعتقد أنهم، من خلال تلك التصرفات، كشفوا عن رغبتهم في إعادة إحياء مناخ البغي وممارسة كل أشكال العنف الجسدي، كما فعلوا من قبل بحق أبناء الطائفة العلوية في الساحل السوري ومحافظة حمص، وكذلك الأمر ما فعلوه بحق الإخوة الدروز في محافظة السويداء وبعض أحياء مدينة دمشق.

وقد أتعب بعض الإخوة المعنيين بالأمر أنفسهم في التكهنات المتعلقة بذلك التجييش العشائري في وقت واحد، فيما كانت قراءات الكثير من المعلقين على الحدث قائمة على دعامتين أساسيتين، الأولى هي أن الذين احتشدوا بكامل الغل مع عدتهم العسكرية متوقع منهم كل شر، بما أن السلب والنهب والغزو محط افتخار لديهم، وليس عملًا محتقرًا ومدانًا كما هو الحال بالنسبة إلى الأمم المتحضرة، والدعامة الثانية هي أن تهويلهم جاء بسبب خشيتهم على أهاليهم ومعارفهم، بشكل عام، من تعرضهم لهجمات المهتاجين، باعتبار أن فئة من الجهات المعلنة الحرب عبر الاجتماع في الخيم لها سوابق عندما كانت تعمل بإمرة بشار حافظ الأسد، فقبل أن يصبحوا أدوات ضاربة للسلطة الجديدة في سوريا وينكلوا بالعلويين والدروز بحجج واهية، كانوا في عام 2004 الأدوات الشرسة لدى سلطة الأسد، وكانوا على أتم الجاهزية وقتها للانقضاض على الكرد في محافظة الحسكة نفسها، ولكن ليس دفاعًا عن سلطة أحمد الشرع، إنما دفاعًا عن سلطة بشار الأسد!

لذا، فلو انتظر الذين أسرفوا في تخميناتهم المتعلقة بالخيم وغايات المحتشدين فيها والغرض من نصبها قليلًا، لحين ذوبان الثلج، لظهر المرج الذي كان مخفيًا وغامضًا لدى معظم من كتبوا عن الخيم المنصوبة ومخاطرها، ومن يقف خلفها. وفي هذا الصدد يقول الكرد: إن سارق القثاء يكشف عن ذاته في الخريف قبل أن يأتي الشتاء. وقد توضح ذلك بعد أن قال الرئيس السوري أحمد الشرع، في تصريحات لبرنامج المقابلة على الجزيرة: "بعض الأطراف حاولت ربط قضية قسد بالقضية الكردية، وحاولنا أن نفصل هذه المسارات عن بعضها، ووصلنا إلى نتائج جيدة"، ما يُفهم من الكلام أعلاه أن هناك بين صفوف قوات قسد من يرى نفسه كرديًا، وليس عبدًا أوجلانيًا أو قفازًا في يد كوادر قنديل، بل يحاول واحدهم جاهدًا أن يفلت من قبضة أزلام أوجلان، وتلك الشريحة على قناعة بأن مصيرها لا يحدده شخص معتقل أو رهينة لدى دولة مجاورة. وهنا يستنتج الناظر الذي يربط الأحداث والتصريحات والمواقف أن هذه العشائر تم تحريكها لتلوح بعصاها تحديدًا بوجه هذه الفئة من قسد، وبرهان ذلك هو في تتمة قول الرئيس الشرع: "لقد وقعنا اتفاقًا عدة مرات مع قسد ولم تلتزم به، لكن آخر اتفاق أصبح الالتزام به مقبولًا، وهناك بطء في تطبيقه، لكن يُبنى عليه"، ما يعني أن التهديد بالحرب جاء بالنيابة عن السلطة لكي تسرع قسد في تطبيق الاتفاق الذي عقده قائد تلك القوات مظلوم عبدي بالرغم منه، وبطلب مباشر من زعيمه الروحي عبدالله أوجلان.

خصوصًا أنه، عقب تصريحات الرئيس الشرع، تالي التجييش العشائري، كشف مصدر مقرّب من الحكومة السورية في دمشق للعربية نت عن تطورات جديدة تتعلق بالاتفاق الأخير المبرم في أواخر شهر 29 كانون الثاني (يناير) 2026 بين الرئيس أحمد الشرع ومظلوم عبدي، ووفق المصدر ذاته، من المقرر أن يتم رسميًا الإعلان عن "حل" قسد والإدارة الذاتية التي أقامتها قوات سوريا الديمقراطية. وتلك الخطوات التي أعقبت التحشيد في الخيم هي التي تشير بشكل جلي إلى تبعية من احتشدوا تحت تلك الخيم لجهات في السلطة، وأنهم كانوا أدواتها الضاغطة. وعلى كل حال، فإن حركة الضغط من قبل تلك الأدوات غير المباشرة ظفرت وأتت بنتائج ملموسة وعملية أكثر من الأدوات الرسمية للسلطة، كالشرطة والمخابرات والجيش.

إذ إن التهديد بشن الحرب من قبل العشائر جاء بالتزامن مع تحركات حكومية لإعادة ربط عدد من المؤسسات المدنية بالإدارة المركزية في دمشق، كما تستند العشائر في مطالبها إلى اتفاق 29 كانون الثاني (يناير) 2026، مطالبة بتنفيذه بما يفضي إلى بسط سلطة الدولة على كامل المحافظة وتفعيل مؤسساتها. وبالرغم من أن الفكر العشائري، في طبيعته، لا يحترم القوانين الوضعية والمؤسسات، إنما يقدّر السلطة فقط، سواء أكانت السلطة بيد الأسد أم الشرع أم غيره، فإن هذه العشائر، وبخلاف العادة، تقدم نفسها اليوم كجهة مطالبة بتطبيق القوانين وتفعيل المؤسسات الحكومية!

ويبقى أن أغرب ما في مشهد المهتاجين في خيم الشر والعدوان هو قول المتوترين الذين جيء بهم من هنا وهناك إنهم مع بسط سيطرة الدولة السورية على كامل جغرافيا محافظة الحسكة وحصر السلاح بيد الدولة. والسؤال الذي يطرح نفسه: يا ترى، هل هم استثناء من تطبيق القوانين، ويُسمح لهم بحمل مختلف أنواع الأسلحة، ويُحرّم على غيرهم حق حمل أي سلاح فردي للدفاع عن النفس في دولة الفوضى والفلتان؟ أم أنهم، مثل جحا، يدعون إلى سحب السلاح من قوات قسد، بينما هم يحملون مختلف الأسلحة من الكلاشن إلى الهاون؟ ثم لماذا مطالبهم بخصوص حصر السلاح بيد الدولة، مثل قوانين البعث الاستثنائية، متعلقة فقط بمحافظة الحسكة؟ بينما في كل من مناطق عفرين ورأس العين وتل أبيض ما تزال الأسلحة بيد كل فاتك نتن، وهو يصول ويجول بها، ولا أحد يدعو إلى انتزاعها منه. لذا، فما يُفهم من كل هذه الهيصة أن الغرض الأبرز من التهديد الأخير، ومن المسارعة في إدماج بقايا قسد ضمن صفوف السلطة، ليس حبًا بأي كائن قسدي، إنما الهدف الأساس هو تجريد الكرد هناك من وسائل الدفاع عن النفس، ليصبح حال كرد محافظة الحسكة كحال الكرد في عفرين ورأس العين وتل أبيض، حيث بمقدور أصغر وأرخص مستوطن، على غرار المستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية، حمل السلاح الذي يريده، بينما يُحرم الكردي، صاحب الأرض والبيت، من حق حيازة أصغر سلاح فردي للدفاع عن كرامته المهدورة منذ عام 2018.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.