تتغير خريطة الشرق الأوسط أحيانًا بالحروب، وتتغير أحيانًا أخرى بلحظات سكون استراتيجية تُكتب فيها التحالفات الكبرى بعيدًا عن صخب المواجهات المباشرة.
من هذا المنطلق، تُشكل التوقيع على "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" محطة مفصلية في التاريخ الحديث للمنطقة، وإعلانًا صريحًا عن ولادة جغرافيا سياسية جديدة تتجاوز أدبيات التحالفات التقليدية. تجسد هذا التحول التاريخي حين التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، إلى جوار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، بجوار الحرم المكي الشريف، لإبرام ميثاق دفاعي ينص بنده الأبرز على أن أي هجوم مسلح يتعرض له أي طرف يُعد عدوانًا مباشرًا على الدول الثلاث كافة. هذا التوافق الثلاثي يتجاوز في مآلاته الأطر العسكرية المباشرة، ليعكس تحولًا عميقًا في العقل الاستراتيجي الذي أدار أزمات المنطقة لعقود طويلة.
مدلولات المسمى والمكان
ينطوي اختيار اسم "مكة" ومكان التوقيع في أطهر بقاع الأرض على أبعاد استراتيجية ورمزية بالغة الدقة والتأثير. فالجمع بين الرمزية الروحية والالتزام العسكري يمثل إعادة بناء للمشروعية الأمنية من قلب المركز الروحي للعالم الإسلامي، لينقل هذا التفاهم من مجرد ترتيبات حكومية عابرة إلى ميثاق أخلاقي وتاريخي ملتزم بحماية وصيانة مقدرات الأمة، والحفاظ على مصالح ومكتسبات هذه الدول.
وفي وقت اعتادت فيه المنطقة على استيراد مظلات الحماية الخارجية التي طالما خضعت للتقلبات السياسية الدولية، يجيء هذا المسمى والمكان كرسالة استقلالية حازمة تؤكد أن القوى الرئيسية في العالم الإسلامي باتت تستند إلى مرجعيتها الذاتية وتكافلها المباشر لبناء حائط صد معنوي ورادع سياسي يفرض حضوره على المعادلة الدولية.
مظلة ردع كبرى
ويتضاعف الوزن الاستراتيجي لهذه الخطوة بوقوعها في توقيت إقليمي بالغ التعقيد، تشهد فيه المنطقة حالة حرب قائمة وتصعيدًا ميدانيًا يمس الأمن القومي للدول الثلاث بشكل مباشر. تأتي الاتفاقية في ظل تضرر الممرات المائية الحيوية في البحر الأحمر ومضيق هرمز وبحر العرب، وتصاعد التهديدات التي تطال خطوط الملاحة وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها حركة التجارة والطاقة لكل من السعودية وتركيا وباكستان. كما تأتي استجابة للضغوط والاعتداءات المتكررة ضد المنشآت الحيوية والسفن التجارية. وهنا يبرز التكامل الجوهري، إذ تشكل هذه الاتفاقية مظلة ردع كبرى تتناغم مع التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات الذي أطلقته الرياض مؤخرًا لحماية البحر الأحمر، ما يمنح هذه المبادرة البحرية عمقًا استراتيجيًا وغطاء دفاعيًا صارمًا يتجاوز مجرد إدارة التهديدات إلى فرض الاستقرار الشامل.
الاعتماد على الذات الاستراتيجية
أمام هذه التحديات المشتركة، يتجلى العمق الفكري لـ"اتفاقية مكة للدفاع المشترك" عبر إيجاد صيغة تكاملية لا تتأسس على حماية طرف لحساب آخر، بل على معادلة متوازنة تجمع بين الثقل المالي والمركزية الجيوسياسية للسعودية، والتفوق التكنولوجي والصناعي العسكري لتركيا بوزنها الأطلسي، والردع النووي والخبرة القتالية العريضة لباكستان.
هذا المثلث يفرض معادلة ردع متكافئة تجعل أي استهداف للمصالح الحيوية أو الأراضي أو خطوط الملاحة لأي من البلدان الثلاثة مواجهًا باستجابة عسكرية ثلاثية موحدة. وبذلك، تعيد الاتفاقية رسم قواعد الاشتباك بصورة هادئة وحازمة، لنقل المنطقة من موقف الانكشاف وانتظار الضمانات الخارجية إلى موقع المبادرة والاعتماد على الذات الاستراتيجية، ومن هنا تحديدًا تبدأ حكاية أمنية جديدة في الشرق الأوسط.


