نوعان من الذين تحدثوا عن الرهبة التي كانت تنتابهم عند لقاء صدام حسين. الأول شعر بها بصدق وعانى من تأثيراتها عليه. والثاني سمع وردد، وأضاف إلى ما سمعه وزاد.
أحدهم قال إن عيني صدام كانتا "كعيني الذئب"، ومجرد النظر إليهما يبعث الرعب في النفوس.
وروى مذيع قناة الجزيرة، فيصل القاسم، تفاصيل لقائه الأول بالرئيس صدام حسين، أوائل عام 2002، فقال:
"حين علمت بأنني ذاهب لمقابلته، والله لم أنم تلك الليلة. دخلنا قاعة رئاسية واسعة، فرأيت صدام واقفًا في انتظارنا. أحلف أنها كانت أطول مسافة أمشيها في حياتي، بالرغم من أنها لا تزيد على عشرة أمتار. مشيتها وأنا أقول: يا رب، إن شاء الله تحملني رجلاي حتى أصل إليه وأسلم عليه وأقعد، لأنهما لم تعودا تحملانني من شدة الخوف. وصلت، فسلمت عليه، وسلم علينا بالعناق، ثم وضع يده على ظهري. حين وضع يده على ظهري شعرت كأن عظام ظهري بتقرقع".
وقال كاتب آخر إن لصدام هيبة مخيفة، وإن عينه تنفذ إلى أعماق من يلتقيه.
من الناحية النفسية، لا ينشأ الخوف من شخص، دائمًا، بسبب حضوره الجسدي، بل كثيرًا ما ينشأ من الصورة الذهنية التي تسبقه.
فإذا كان الشخص معروفًا بالشدة، أو يُعتقد بأن غضبه قد يترتب عليه عقاب قاسٍ، فإن من يلقاه قد يدخل عليه وهو في حالة توتر قصوى. عندئذ يبدو كل شيء مضخمًا، النظرة أشد حدة، والصوت أكثر رهبة، وحتى لمسة يد عابرة قد يشعر بها المرء على نحو مختلف.
لذلك، عندما يصف أحدهم عيني صدام حسين بأنهما "عينا ذئب"، أو يقول إن عظامه كادت تتكسر، أو إن ساقيه أوشكتا أن تخوناه، فقد يكون هذا وصفًا صادقًا لما شعر به هو، وليس بالضرورة وصفًا موضوعيًا لحقيقة صدام نفسه.
بالمقابل، هناك آخرون عرفوا صدام عن قرب أو التقوه مرات عديدة، ولم يصفوا لقاءه بهذه الدرجة من الرعب. وهذا الاختلاف في الشهادات يوحي بأن التجربة لم تكن واحدة لدى الجميع.
فأنا قابلته وهو نائب رئيس، ولم أشعر إلا بأنني أمام رجل عادي. ربما لأنني كنت، في كل مرة، أستعيد صورته في سنوات شبابه، حين كان شابًا فقيرًا، مهملًا، قليل الصداقات، قبل أن يصبح الرجل الذي دانت له سلطة العراق، بجلالة قدرها.
في الأنظمة التي تتركز فيها السلطة بيد شخص واحد، خصوصًا إذا كان مشاعًا عنه العنف والشدة وسرعة الانفعال والغضب، تنشأ حوله هالة نفسية غير اعتيادية. بعضٌ من هذه الهالة يتعمد الحاكم نفسه صنعه لنفسه، وبعضه تصنعه مخابراته وأجهزة أمنه والمقربون المحيطون به، ولكن بعضه الأكبر يصنعه خوف الناس.
ومع مرور الزمن، يصبح من الصعب الفصل بين الواقع وغير الواقع، فتتضخم الروايات، ثم تتحول نظرة عين عادية من الحاكم إلى "نظرة ذئب"، ولمسة يد عابرة منه إلى حدث لا يُنسى.
صدام حسين لم يكن مجرد رئيس دولة، بل كان حاكمًا ارتبط اسمه، في أذهان كثيرين، بالبطش والقسوة، وبقبضة حكم استمرت سنوات طويلة، ورويت عنه حكايات كثيرة، بعضها موثق، وبعضها مبالغ فيه.
ولا ننسى البروتوكول الرئاسي الصارم الذي أحاط نفسه به، والحراسات الكثيفة، والقصور الفخمة. فكلها عناصر تضفي على اللقاء رهبة مضافة.
لذلك لم يكن غريبًا أن يدخل كثيرون عليه وهم يشعرون بأنهم يقفون أمام رجل تكون مصائرهم متوقفة على قرار من قراراته، أكثر مما يقفون أمام شخص غيره.
ألم يأمر بذبح ابن عمه، حسين كامل، بعد أن زوجه ابنته ورفعه من جندي إلى فريق أول ركن ووزير دفاع؟


