: آخر تحديث

ديرة.. ما مثلها ديرة

4
4
3

متى تدرك أن عبارة «الكويت.. ديرة ما مثلها ديرة» ليست مجرد كلمات تردد في المناسبات، بل حقيقة يجب أن نؤمن بها بكل جوارحنا ومشاعرنا؟ لا تكتشف قيمة الكويت وأنت تعيش فيها، بل تكتشفها عندما تغادرها لفترة خارج دائرة السياحة القصيرة.

في السفر، تكون سائحاً لبضعة أيام، لكن عندما يطول بقاؤك بالخارج، وعندما تعيش أسابيع أو أشهراً، وتبدأ بممارسة تفاصيل الحياة اليومية، تحتاج إلى طبيب، وصيدلية، ومختبر، ومركز صحي، ومواصلات، وبقالة، وبنك، وخدمة حكومية، وأمان، في هذه الحالة تسقط الصورة السياحية الجميلة، وتظهر حقيقة الحياة التي ما إن نقارنها بالحال في الكويت، حتى يستيقظ بداخلك شعور عام بنعمة بلدك الكويت، حينها ندرك أن عبارة «الكويت.. ديرة ما مثلها ديرة» ليست مجرد كلمات ترددها في المناسبات، بل حقيقة يجب أن نؤمن بها بكل جوارحنا ومشاعرنا.

كم من دولة متقدمة تمتلك اقتصاداً قوياً، لكنها تفتقد سهولة الوصول إلى الرعاية الصحية، قد تنتظر أسابيع أو شهوراً لموعد طبيب، أو تدفع مبالغ باهظة مقابل خدمة بسيطة، أو تدخل في دوامة شركات التأمين قبل أن ترى الطبيب.

في الكويت، ورغم كل ما يقال من انتقادات، وأنا هنا أتحدّث عن الجانب الصحي كـ«مثال»، فإن الخدمات الصحية شهدت خلال الفترة الأخيرة تطوراً واضحاً في التنظيم، والتحول الرقمي، وسهولة المواعيد، وتوسّع المستشفيات والمراكز التخصصية،

وينسحب ذلك على جوانب أخرى أيضاً.

وفي الكويت، الأمن ليس خبراً يستحق النشر، لأنه أصبح جزءاً من الحياة اليومية، نخرج ونعود ونحن نعتبر الطمأنينة أمراً طبيعياً، بينما هي حلم لملايين البشر حول العالم.

وفي الكويت أيضاً، لا يزال المجتمع يحتفظ بروابطه الإنسانية. الأسرة قريبة، والأهل حاضرون، والجيران يعرف بعضهم بعضاً تقريباً، والعلاقات الاجتماعية لم تزل دافئة.

حتى مستوى المعيشة، (ورغم ارتفاع الأسعار الذي نشكو منه)، يبقى في كثير من جوانبه أكثر رحمة من دول يدفع فيها الإنسان معظم دخله للإيجار، والتأمين، والعلاج، والضرائب، والمواصلات، حتى لا يبقى من راتبه إلا القليل.. وأنا هنا أتكلم بالعموم.

‏مشكلتنا في الكويت أننا اعتدنا النعمة، حتى أصبحت بالنسبة لنا أمراً عادياً، لا نلتفت إليها إلا عندما نفقدها، ولا نقارن إلا عندما نعيش التجربة بأنفسنا.

‏ما سبق كله لا يعني أبداً أن الكويت بلا أخطاء ولا حاجة للإصلاح، فكل وطن يحتاج إلى تطوير مستمر، وكل خدمة قابلة لأن تصبح أفضل، لكن هناك فرقاً كبيراً بين من ينتقد لأنه يريد الإصلاح، ومن يتحدث وكأن بلده لا يملك أي ميزة.

الإنصاف يقتضي أن نعترف بما تحقق، وأن نشكر الله على ما نملكه، وأن نحافظ عليه، وأن نطالب بتطويره لا بهدمه.

الأوطان لا تُقاس بالكمال، وإنما بما توفره لأبنائها من أمن وكرامة واستقرار وفرص حياة كريمة.

ولعل أجمل ما نتعلمه من السفر ليس فقط التعرّف إلى الآخرين، بل ان نعود وقد اكتشفنا وطننا من جديد.

نعم.. بعد كل رحلة طويلة، يزداد اليقين بأن هذه الأرض الصغيرة تحمل من النعم ما لا يدركه كثير من أهلها، وأن شكر الله عليها واجب دائماً.

نعمة الوطن الآمن، والرعاية، والاستقرار، وتماسك المجتمع، ليست أموراً مضمونة، بل هي نعم عظيمة تستحق أن نحمد الله عليها صباحاً ومساءً، وأن نحافظ عليها كما نحافظ على أغلى ما نملك.


إقبال الأحمد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد