: آخر تحديث

ارفع استحقاقك.. واتهمهم بالنرجسية!

4
4
3

سمر المقرن

لكل زمن لغته، ولكل جيل قاموسه الخاص. كلمات تولد من تحولات المجتمع، ثم تنتشر حتى تصبح جزءًا من حديثنا اليومي. وفي السنوات الأخيرة، دخلت إلى مجالسنا ومنصاتنا مفردات نفسية وتطويرية كثيرة، بعضها يعكس وعيًا جميلًا بالذات، وهذا أمر يُحسب لهذا الجيل لا عليه. لكن المشكلة تبدأ حين نُفرط في استخدامها، ونحوّلها من أدوات للفهم إلى شماعات نعلّق عليها كل ما لا يعجبنا!

خذوا مثلًا «الطاقة السلبية». مفهوم جميل حين يجعل الإنسان أكثر وعيًا بما يؤثّر في مزاجه ونفسيته، لكننا توسعنا فيه حتى أصبح كل شخص لا يوافقنا الرأي مصدرًا للطاقة السلبية! قريب يعاتبك؟ ابتعد عنه، طاقته سلبية. صديق يصارحك بخطئك؟ استبعده من حياتك، فهو يستنزف طاقتك، بل وصل الأمر إلى أن نسمع من يقول بكل بساطة: «أمي طاقة سلبية»، أو «أبي طاقة سلبية»! لأن أمًا أكثرت من النصح، أو أبًا عاتب أو تدخَّل أو قال كلمة لم توافق المزاج. وكأن العلاقات الإنسانية، حتى أقدسها، أصبحت مطالبة بأن تمنحنا الراحة طوال الوقت، وإلا وضعناها فورًا في خانة «الطاقة السلبية»!

ثم جاءت: «ارفع استحقاقك»! وهي في أصلها دعوة جميلة أن يعرف الإنسان قيمته، وألا يقبل بالإهانة أو التقليل من شأنه. لكننا رفعنا الاستحقاق أحيانًا حتى ارتفع معه سقف الأنانية! أريد الأفضل دائمًا، وعلى الآخرين أن يراعوا مشاعري ورغباتي وتوقعاتي، وأن يعاملوني بالطريقة التي أراها تليق بي، لأنني ببساطة «رفعت استحقاقي». وهكذا وبهدوء شديد، قد ترتدي الأنانية ثوب الوعي، وتدخل علينا من الباب ونحن نصفق لها!

أما «النرجسي»، فهذه حكاية أخرى. فجأة أصبحنا جميعًا أخصائيين نفسيين، نحمل أدوات التشخيص في جيوبنا. اختلف معك؟ نرجسي. لم يمنحك الاهتمام الذي تريد؟ نرجسي. تمسّك برأيه؟ نرجسي. انتهت العلاقة بطريقة لم تعجبك؟ لا بد أنه نرجسي!

وبين شخص لا يعجبنا، وآخر أناني، وثالث سيئ الطباع، وبين من تنطبق عليه معايير اضطراب الشخصية النرجسية، مسافات لا يختصرها مقطع في وسائل التواصل.

أنا لست ضد هذه المفاهيم، بل أراها من علامات ارتفاع الوعي حين تُفهم في سياقها الصحيح. لكن الوعي الحقيقي لا يجعلنا أكثر قسوة في تصنيف البشر، ولا يمنحنا قاموسًا جديدًا لتبرير عيوبنا.

فربما، قبل أن نفتش عن الطاقة السلبية والنرجسية وانخفاض الاستحقاق لدى الآخرين، نحتاج أحيانًا إلى سؤال أكثر إزعاجًا:

وماذا عنّا نحن؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد