: آخر تحديث

الغول التشريعي في لبنان

4
4
3

في لبنان، لا يحتاج الغول إلى أن يخرج من الأساطير كي يخيف الناس. يكفي أن يجلس تحت قبّة البرلمان، يرتدي ربطة عنق، ويحمل في يده نصًا قانونيًا.

الغول اللبناني ليس مخلوقًا خرافيًا يلتهم الناس دفعة واحدة، إنه منظومة قادرة على أن تجعل الاستثناء قاعدة، وما يفترض أن يكون مؤقتًا دائمًا، وما يفترض أن يكون حقًا عامًا امتيازًا خاصًا.

قبل أن نسأل عن راتب النائب، علينا أن نسأل سؤالًا أكثر جوهرية: لمن وُجد المجلس النيابي؟

هل وُجد ليكون ممثلًا عن الناس، أم ليصبح فوق الناس؟

حين مدّد المجلس النيابي لنفسه سنتين، بحجة الظروف الاستثنائية، لم يكن الأمر مجرد تأجيل لموعد انتخابي، بل اختبارًا خطيرًا لفكرة التمثيل الديمقراطي نفسها. ففي 9 آذار (مارس) 2026، أقرّ مجلس النواب تمديد ولايته سنتين بأكثرية 76 نائبًا.

فالانتخابات ليست ترفًا يُؤجَّل كلما صعبت الظروف. وقد تكون الظروف الاستثنائية مبررًا للبحث في التأجيل، لكن السؤال الذي لا يجوز الهروب منه هو: من يقرر أن الاستثناء انتهى؟ ومن يضمن ألا يتحول الاستثناء إلى أسلوب دائم للحكم؟

وهنا يبدأ الغول في الظهور.

فالمجلس الذي وجد لنفسه مخرجًا من الاستحقاق الانتخابي، وجد أيضًا مخرجًا ماليًا لرفع مخصصات نوابه.

ابتداءً من أيلول (سبتمبر)، يرتفع راتب النائب من نحو ثلاثة آلاف دولار إلى خمسة آلاف دولار شهريًا، نتيجة نقل اعتماد من احتياط الموازنة إلى صندوق تعاضد مجلس النواب، وفق ما أوردته "النهار" في تقريرها المنشور في 6 آب (أغسطس) 2026.

قد يقول قائل إن للنائب حقوقًا، وإن تحسين مخصصاته ليس جريمة في ذاته.

لكن المشكلة ليست في أن يتقاضى النائب بدلاً عادلًا عن عمله، بل في التوقيت، والعدالة، والأولوية، والرسالة التي يبعثها القرار إلى اللبنانيين.

ففي البلد نفسه، ينتظر موظفو الدولة والعسكريون تحسينًا حقيقيًا في أوضاعهم المعيشية، فيما لا تزال الدولة تعالج أزمة رواتب القطاع العام من خلال زيادات وتعويضات إضافية لا تعيد الرواتب إلى قيمتها الفعلية قبل الانهيار.

وفي وقت سابق من العام، أُقرّت للموظفين والمتعاقدين ستة رواتب إضافية، مع كامل متمماتها للعسكريين، على أن تُحتسب على أساس القيمة التي كانت مقررة للرواتب عام 2019.

ثم احتاجت هذه الزيادة إلى فتح اعتماد إضافي بقيمة 56.5 ألف مليار ليرة، أقرّه مجلس النواب في جلسة 15 تموز (يوليو) 2026، لتغطية كلفة الرواتب الستة، بمفعول رجعي اعتبارًا من الأول من آذار (مارس).

هنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون ماليًا:

كيف يجد بلد يعاني أزمة مالية عميقة المال لتحسين مخصصات ممثليه، بينما لا تزال الدولة تعالج رواتب موظفيها وعسكرييها بمنطق التعويضات والزيادات الإضافية والاحتساب على قيم قديمة؟

ليس المطلوب أن يكون النائب فقيرًا حتى يشعر بالفقراء.

المطلوب فقط ألا يصبح راتبه تذكيرًا دائمًا بأن هناك لبنانين: لبنانًا يستطيع أن يعيد ترتيب أرقامه متى تعلق الأمر بأصحاب القرار، ولبنانًا آخر يُطلب منه الصبر متى تعلق الأمر بمن يعيشون من رواتبهم.

والأخطر من قيمة الزيادة هو طريقة التعامل معها.

فالمخصصات العامة ليست مالًا خاصًا. إنها في النهاية أموال عامة، ولذلك لا يحق للناس أن يسألوا فقط:

كم أصبح راتب النائب؟

بل من حقهم أن يسألوا:

من قرر؟

وبأي آلية؟

ومن أين يأتي المال؟

ولماذا الآن؟

ولماذا بهذه النسبة؟

وهل خضعت الزيادة للمقياس نفسه الذي تخضع له رواتب الموظفين والعسكريين؟

هذه ليست أسئلة شعبوية.

هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تطرحها دولة تحترم دافعي الضرائب.

ولعل المفارقة اللبنانية الكبرى أن المجلس الذي يفترض أن يكون عين الشعب على السلطة التنفيذية، أصبح هو نفسه بحاجة إلى عين شعبية تراقبه.

هنا يصبح عنوان المقال أكثر من استعارة.

الغول التشريعي هو حين تتحول المؤسسة التي تضع القواعد إلى مؤسسة تستفيد من القواعد التي تضعها.

وهو حين يصبح النائب، بدلاً من أن يكون صوت المواطن داخل البرلمان، مواطنًا من طبقة مختلفة عن المواطن الذي انتخبه.

وهو حين يصبح تمديد الولاية أمرًا يمكن تبريره بالظروف، بينما تصبح المطالبة بحقوق الناس مؤجلة إلى إشعار آخر.

لكن لا ينبغي أن ننزلق إلى كراهية المجلس النيابي أو النواب كأفراد.

المشكلة أعمق من الأشخاص، إنها في الثقافة السياسية التي تسمح للمؤسسات بأن تفقد حساسيتها تجاه الفارق بين ما تستطيع فعله وما ينبغي أن تفعله.

فالسياسة ليست فقط سؤالًا: "هل يحق لي؟"

السياسة الأخلاقية تسأل أيضًا: "هل يليق بي؟"

قد يكون نقل الاعتماد ممكنًا قانونيًا وله مبرراته الإدارية، لكن الديمقراطية لا تُقاس بالقانون وحده، بل أيضًا بالإحساس بالناس، وبالتناسب، وبالشفافية، وبالقدرة على النظر إلى المجتمع من خارج جدران المؤسسة.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى نواب يعيشون في تقشف مصطنع.

لكنه يحتاج إلى نواب يشعرون فعلًا بأنهم يعيشون في البلد نفسه الذي يعيش فيه الأستاذ والعسكري والموظف والمتقاعد والعامل.

فالذي يتقاضى خمسة آلاف دولار لا يُلام لأنه يتقاضاها.

إنما يُسأل:

ماذا فعلتَ كي يصبح من يقف إلى جانبك في الوطن قادرًا على أن يعيش بكرامة أيضًا؟

هذه هي المسألة.

فالغول ليس راتبًا من خمسة آلاف دولار.

الغول الحقيقي هو أن يصل المال العام إلى أصحاب القرار بسهولة، بينما تبقى العدالة الاجتماعية عالقة على أبواب المؤسسات.

وحينها لا يعود السؤال:

كم يتقاضى النائب؟

بل يصبح السؤال الأخطر:

من يحاسب الغول حين يصبح الغول هو من يكتب القوانين؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.