ما حدث في مكة يوم الجمعة الماضية 7 آب (أغسطس) 2026، بإعلان اتفاق مكة للدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية، وجمهورية تركيا، وجمهورية باكستان، لم يكن حدثًا عابرًا، بل كان خطوة جبارة، طال انتظارها، من أجل إعادة رسم خرائط التوازنات الأمنية والاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، لا سيما في ظل هذه المرحلة الحرجة التي دخلت فيها المنطقة منذ يوم 28 شباط (فبراير) الماضي، بإعلان كل من أميركا وإسرائيل الحرب على إيران، وما جرته تلك الحرب من تداعيات أمنية خطيرة، بعد أن أصبحت حتى اليوم بمثابة أكبر مهدد وجودي تمر به المنطقة.
إن هذه الاتفاقية هي بمثابة ضربة معلم للمملكة العربية السعودية التي اختارت المكان والزمان المناسبين لإعلانها، فهذا التوقيت الذي قد تنذر مآلاته بتوسع الحرب بين إيران وأميركا وإسرائيل، عبر استئناف جولة جديدة محتملة، على نحو أكثر عنفًا وتدميرًا، لم يكن من بدّ لاحتوائه إلا بمثل هذا الاتفاق الكبير.
كل مؤشرات ما قبل هذا الاتفاق كانت تدل على أن ما يحيط بالمنطقة وما ينتظرها من خراب ودمار كبيرين، حال استئناف الحرب، هو وضع لا يمكن احتواؤه إلا باستباق واختراق كبير كالذي حدث عبر توقيع هذا الاتفاق التاريخي بين البلدان الثلاثة.
طبيعة التكامل الاستراتيجي بين البلدان الثلاثة هي تكامل لا بد أن يفضي، عاجلًا أم آجلًا، إلى حدوث مثل هذا الاتفاق لضمان الأمن الجيوسياسي لمنطقة الشرق الأوسط. فالسعودية بموقعها الاستراتيجي وبوصفها أكبر اقتصاد ومصدر للطاقة في منطقة الشرق الأوسط، وجمهورية تركيا بوصفها أكبر قاعدة للصناعات الحربية والدفاعية وأقوى جيش في الشرق الأوسط، وباكستان بوصفها قوة نووية إقليمية كبيرة، كل تلك العناصر الحيوية التي يمتلكها كل بلد على حدة، استدعت التكامل فيما بينها في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ منطقة الشرق الأوسط.
وكم كان مهمًا ودقيقًا وصف هذا الاتفاق بأنه جاء "لتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء"، فكلمة "الردع" هذه هي سر هوية هذا الاتفاق التاريخي. لأن كلًّا من الدول الثلاث تدرك أهمية الردع، فالردع لا يعني الهجوم، لكنه يعني الدفاع المنظم. يعزز ذلك ما جاء على لسان مسؤول سعودي في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط بأن الاتفاقية "لا تمثل أي توجه لبناء محور عسكري أو تكتل طائفي/مذهبي، وهي ليست مرتبطة بمساعٍ نووية أو سباق تسلح، بل ببناء قدرات ذاتية مستدامة"، مؤكدًا كذلك أن الاتفاقية "لا تأتي على حساب علاقات السعودية الاستراتيجية والقوية خليجيًا وعربيًا ودوليًا، وليست تهديدًا لأمن أي دولة في المنطقة، ولا تصعيدًا في التوتر بين أي دولتين".
إن فحوى هذا الاتفاق ترسل رسائل لأكثر من جهة في المنطقة والعالم. إذ بات واضحًا أن استمرار وضع الحرب على هذا النحو قد يؤدي في أي لحظة إلى انسحاب الولايات المتحدة نتيجة للضغوط المتزايدة في المجتمع السياسي الأميركي ضد هذه الحرب، ولا سيما في ظل قرب الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، الأمر الذي قد يخلف فراغًا أمنيًا واستراتيجيًا يفتح المنطقة على أبواب فوضى محتملة. كما أن إحدى رسائل هذا الاتفاق موجهة إلى إيران عبر إعلان نوايا واضح بوصفه اتفاقًا للردع والدفاع، وليس ضد إيران. الأمر الذي قد يدعو إيران إلى إعادة النظر في قواعد اللعبة التي حكمت منطق حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، قبل هذا الاتفاق، عبر الاعتداء على دول الخليج. وإلى جانب ذلك، ثمة رسائل أخرى لأطراف إقليمية بأن الشرق الأوسط لن يصبح فوضى لصراعات النفوذ، ولا يسمح لأي لاعب منفرد في المنطقة بالتحكم في مصائرها. وفي الوقت ذاته، يأتي هذا الاتفاق ليؤكد ثلاثة أمور كان لا بد من توضيحها، سواء من خلال بيان الاتفاق، أو عبر تصريحات مسؤولين سياسيين من الدول الثلاث. أول هذه الأمور: أن هذا الاتفاق لا يستهدف إيران، كما جاء في تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان للعربية بقوله: "إن الاتفاقية لا تستهدف إيران، ما دامت لا تهاجم الدول الأعضاء"، وهذا إعلان تطميني واضح لإيران. وثاني هذه الأمور، أن الاتفاقية مفتوحة لكافة دول المنطقة التي ترغب في الانضمام إليها، سواء أكانت دولًا خليجية أو دولًا عربية كجمهورية مصر وغيرها.
وثالث هذه الأمور أن هذا الاتفاق لا يلغي الاتفاقيات الأمنية السابقة للبلدان الثلاثة، ولا يكون خصمًا عليها، ما سيعني أن العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وما يرتبط بها من تفاهمات في الحماية والدفاع سيكون تعزيزًا لهذا الاتفاق لا خصمًا عنه. خصوصًا أن الولايات المتحدة تبنت منذ العام الماضي استراتيجية أمنية تدعو إلى تقليص مهام الدفاع خارج حدودها.
إذا نظرنا إلى هذا الاتفاق من نواح مختلفة، فسنجده يعكس تطورًا مشتركًا بين الدول الثلاث في النظر إلى مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية التي ترتبط ببعضها البعض على نحو عضوي. فعالم اليوم، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط، في ظل التداعيات الأمنية المستقبلية لهذه الحرب، تقتضي المصلحة الجيوسياسية فيه تكاملًا للقدرات المختلفة للدول الثلاث كي يكون تأثيرها كبيرًا وفعالًا في حماية الأمن والسلم الإقليميين لمنطقة الشرق الأوسط.
لطالما ظلت المملكة العربية السعودية حريصة على احتواء كافة تداعيات هذه الحرب الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، من خلال مبادرات وتحالفات عكست ذلك الحرص على نحو يدعو كل عاقل للتأمل في المآلات.
فقبل أيام من اتفاقية مكة، شهدت الرياض في الثلاثين من تموز (يوليو) 2026 توقيع إعلان تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، الذي اجتمع فيه ممثلو 43 دولة ووقعت عليه 14 دولة، من أجل حماية الاقتصاد العالمي والمصالح البحرية المشتركة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. حيث أكد اللواء الركن عبد الله الشهري، قائد التحالف البحري الرباعي، أن "التوافق الدولي الواسع على أمن الممرات الدولية مسؤولية جماعية، وأن التعاون الدفاعي متعدد الأطراف والتنسيق المستمر يُمثل الركيزة الأساسية لضمان حرية الملاحة، وتأمين سلاسل الإمداد وإمدادات الطاقة". هكذا يتأكد يومًا بعد يوم الدور الريادي للمملكة العربية السعودية في حرصها على ترميم الاستقرار السياسي والاقتصادي للمنطقة العربية والشرق الأوسط، إدراكًا منها بأن اختلال الأمن في الشرق الأوسط ستنعكس تداعياته الخطيرة على العالم كافة.

