: آخر تحديث

اتفاقيات إسحاق: بناء أيباك أميركا اللاتينية

1
3
2

اتفاقيات إسحاق مبادرة دبلوماسية ناشئة تهدف إلى تعميق العلاقات بين إسرائيل ودول أميركا اللاتينية وترسيخها مؤسسيًا. وقد استُلهمت من السياسة الخارجية الشديدة الانحياز لإسرائيل التي ينتهجها الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وتدعمها مؤسسة جائزة جينيسيس عبر الأصدقاء الأميركيين لاتفاقيات إسحاق، ويطمح المشروع إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية الثنائية المعتادة. فالقائمون عليه ينسجون كتلًا برلمانية وقيادات سياسية وشبكات أعمال وجامعات وصحافيين ومنظمات مجتمع مدني وشراكات أمنية عبر المنطقة، وهدفهم المعلن صراحة بناء علاقات متينة بما يكفي لتصمد أمام الانتخابات وتغيّر الحكومات.

وهذا الهدف المعلن هو تحديدًا ما ينبغي أن يدقّ نواقيس الخطر في عموم أميركا اللاتينية. وليست هذه دبلوماسية بالمعنى المألوف. إنها بناء متعمَّد لآلة نفوذ سياسي: تُموَّل وتُنسَّق عبر الحدود، وتُزرَع داخل البرلمانات والإعلام والجامعات وشبكات الأعمال والمؤسسات الأمنية، وتُصمَّم لتدوم. على أميركا اللاتينية ألا تنساق، وهي غافلة، إلى بناء أيباك خاص بها.

والتجربة الأميركية تكفي عبرة. فما إن يبلغ لوبي متصل بسياسة خارجية حدًا كافيًا من الثراء والتنظيم والعلاقات والقدرة على إثارة الخوف السياسي، حتى يكفّ عن الحاجة إلى كسب الحجج. عندها يصير في مقدوره تأديب السياسيين، وتضييق حدود النقاش المقبول، ومكافأة المطيعين، وجعل المعارضة باهظة الثمن مهنيًا وانتخابيًا. ويبدأ النواب في أن يحسبوا لا ما يخدم بلدهم، بل ما يسعهم اتخاذه من مواقف دون أن يستثيروا ردًا منظَّمًا. وليست تلك مقايضات الدبلوماسية السليمة. إنها آلية الاستحواذ السياسي.

ولدى ديمقراطيات أميركا اللاتينية كل ما يبرّر حذرها من مشروع يسعى إلى تثبيت مصالح دولة أجنبية في عمق مؤسساتها إلى حد يجعل تلك المصالح تنجو مهما قرّر الناخبون لاحقًا.

والسؤال ليس ما إذا كان من حق إسرائيل أن تلتمس الحلفاء، فذلك حقها بالطبع، وكل دولة تفعل ذلك. السؤال هو ما إذا كان يحق لمنظمات تدعمها مصالح أجنبية نافذة أن تبني بحرية شبكات دائمة داخل أنظمة سياسية ذات سيادة، شبكات قادرة على تشكيل التشريعات والسرديات الإعلامية والنقاش الجامعي والسياسة الأمنية، وفي نهاية المطاف الحياة السياسية الانتخابية، من دون أشد معايير الشفافية والمساءلة صرامة. ولا ينبغي السماح لها بذلك.

على كل سياسي يدخل هذه الشبكات أن يُفصح عما يرتبط بها من أسفار مموَّلة ولقاءات وضيافة ودعم سياسي ومبادرات تشريعية. وعلى المنظمات المنخرطة في المناصرة السياسية المموَّلة من الخارج أن تكشف مصادر أموالها الرئيسة وأوجه إنفاقها. وعلى الجامعات أن تسمّي البرامج المموَّلة خارجيًا المتصلة بالمناصرة السياسية. وعلى الصحافيين وصنّاع الرأي الذين يقبلون أسفارًا مموَّلة أو تدريبًا سياسيًا أن يعلنوا ذلك. وعلى الاتفاقات المتعلقة بالأمن والمراقبة والفضاء السيبراني والتعاون العسكري أن تخضع لتدقيق برلماني وعلني صارم. ينبغي ألا يكون للنفوذ السياسي الأجنبي مكان يختبئ فيه.

وعلى حكومات أميركا اللاتينية أن تتحرك قبل أن تستفحل الشبكة فيتعذّر التصدّي لها. فأفدح خطأ هو الانتظار: الانتظار حتى يبني عشرات السياسيين مساراتهم السياسية وصداقاتهم حول المشروع، وحتى تغدو مصالح تجارية معتمدة عليه، وحتى تستوعب وسائل الإعلام مسلّماته بوصفها بديهيات، وحتى يصير انتقاد السياسة الإسرائيلية باهظ الثمن سياسيًا على نحو لا يتناسب مع ثمن انتقاد أي حكومة أخرى. وهكذا يتصلّب النفوذ ليصير سلطة.

إنَّ الغاية كلها من بناء مؤسسات تتجاوز في عمرها الحكومات المتعاقبة هي جعل علاقات سياسية بعينها عصية على التغيير الديمقراطي. غير أن السياسة الخارجية ينبغي أن تصمد أمام تغيّر الحكومة لأن الناخبين المتعاقبين ما زالوا يرونها حكيمة، لا لأن أطرافًا خارجية زرعت من النفوذ داخل المؤسسات المحلية ما يجعل التراجع عنها أبهظ من أن يُحاوَل.

وأميركا اللاتينية، أكثر من كثير من مناطق العالم، جديرة بأن تدرك هذا الخطر. فتاريخها الحديث حافل بقوى خارجية استمالت سياسيين ومؤسسات عسكرية وشركات ودور إعلام ونخبًا محلية للحفاظ على ترتيبات تخدم مصالح أجنبية. وكاد ذلك التدخل يأتي دائمًا مكسوًا بلغة حميدة: الاستقرار، والشراكة، والتنمية، ومناهضة الشيوعية، والأمن، والتحديث.

تتبدّل المفردات. أما الآلية فلا تتبدّل. النفوذ يُبنى ويُرسَّخ. والشبكات تُموَّل. والوسطاء المحليون يُجنَّدون. والعلاقات تُرسَّخ مؤسسيًا. والمصالح الاقتصادية تنمو حولها. وما بدأ مناصرة أجنبية يتخذ رويدًا هيئة إجماع داخلي. على أميركا اللاتينية أن تحفظ هذا النمط عن ظهر قلب، وأن تأبى تكراره.

لا يجوز لأي دولة أجنبية، إسرائيل أو الولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو إيران أو سواها، أن يُسمح لها ببناء آلية إنفاذ سياسي داخل ديمقراطية بلد آخر. وإذا تحوّلت اتفاقيات إسحاق إلى شبكة عابرة للحدود منظَّمة قادرة على دفع حكومات أميركا اللاتينية نحو اصطفاف غير مشروط مع السياسة الإسرائيلية، فينبغي مواجهتها، سياسيًا وتشريعيًا وعلنيًا، قبل أن تترسّخ.

ويقتضي الرد المناسب كشف التمويل، وتسجيل جماعات الضغط، ونشر اللقاءات، وتتبّع الأسفار المموَّلة، وتدقيق الكتل البرلمانية، وتنظيم المناصرة السياسية المموَّلة من الخارج، وإبقاء المال الأجنبي خارج السياسة الانتخابية، ومطالبة الجامعات ومراكز الأبحاث والإعلام بالشفافية، وفحص كل اتفاق أمني ورقابي. وقبل ذلك كله، بناء ثقل ديمقراطي منظَّم، ثقل قوي بما يكفي ليضمن ألا تُدفن حقوق الفلسطينيين والقانون الدولي وسيادة أميركا اللاتينية بهدوء تحت وطأة المال والنفوذ والضغط.

ليس شيء من هذا حظرًا للصداقة مع إسرائيل. إنه رفض للتبعية السياسية لإسرائيل. والفرق جوهري. فأميركا اللاتينية الديمقراطية قادرة تمامًا على أن تقيم علاقات دبلوماسية وتجارية وثقافية مع إسرائيل، وأن تدين في الوقت نفسه الاحتلال والتوسّع الاستيطاني والضمّ وانتهاكات القانون الدولي الإنساني والاعتداءات على المدنيين الفلسطينيين. ولا ينبغي لأي علاقة بين دولتين أن تفرض طاعة أيديولوجية. ولا يجوز أن يصير تأييد إسرائيل اختبارًا للياقة السياسية داخل برلمانات أميركا اللاتينية.

وذلك هو الخطر الحقيقي في نموذج أيباك. فقوّته لن تكمن في مجرد إقناع الحكومات بالتعاون مع إسرائيل، بل في رفعه المطّرد لثمن التشكيك في ذلك التعاون داخليًا. وما إن يخشى السياسيون انتقاد حكومة أجنبية، حتى يكون خطب جسيم قد وقع فعلًا.

إن السياسة الخارجية لأميركا اللاتينية يجب أن تُصنع في بوغوتا وبرازيليا وبوينس آيرس وسانتياغو ومكسيكو سيتي وسائر عواصم المنطقة، وفق مصالح مجتمعاتها وقوانينها وخياراتها الديمقراطية. ولا يجوز أن تُصاغ عبر شبكات نفوذ ووصول إلى دوائر القرار مموَّلة من الخارج تنطلق من واشنطن أو القدس أو مؤسسات خاصة.

اتفاقيات إسحاق لا تزال فتية. وذلك تحديدًا ما يجعل هذه اللحظة لحظة التدقيق. فما إن تتكاثر الكتل، وتتعمّق الروابط المالية، وتترسّخ الشراكات الأمنية، وتتعلّق المسارات السياسية بالشبكة، حتى تغدو المقاومة أصعب بكثير. والوقت المناسب لمنع الاستحواذ السياسي هو قبل أن تكتمل بنيته وآلياته. أميركا اللاتينية لا تحتاج إلى قوة أجنبية أخرى تُملي عليها أين تكمن مصالحها. وهي بالتأكيد لا تحتاج إلى أيباك خاص بها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.