: آخر تحديث

نظام خميني ليس كنظام صدام

2
5
2

هل كان نظام حزب البعث في العراق نظامًا عقائديًا بالمعنى الحرفي للكلمة؟ لا أتحدث إطلاقًا عن البهرجة الإعلامية وعن الخطابات الخشبية التي كان يطلقها ميشيل عفلق وشبلي العيسمي ومنيف الرزاز، والتي كانت محاولات أدلجة العراقيين على أساسها تجري على قدم وساق، إنما أتحدث عما كان يجري ويحدث على أرض الواقع: هل كان لهذا الخطاب صدى ملموس لدى العراقيين؟ وهل نجح النظام فعلًا في تحويل شعاراته العقائدية إلى قناعة راسخة لدى قطاعات واسعة من المجتمع؟

فليست العبرة بأن يكون لديك عشرات الأصدقاء، وإنما العبرة بعدد الأوفياء منهم حقًا، وبمن تستطيع الاعتماد عليهم عندما تضيق بك السبل وتشتد الأزمات، ومن هذا المنظور، فإن النظر إلى ملايين العراقيين الذين كانوا أعضاءً في حزب البعث أو منتسبين إلى الجيش الشعبي الذي أسسه النظام وقدمه بوصفه قوة عقائدية، لا يكفي وحده للقول إن النظام كان قد نجح في بناء قاعدة عقائدية راسخة، وحتى الجيش العراقي النظامي لم يسلم من محاولات النظام لأدلجته وإخضاعه لمنظومته الفكرية والسياسية.

لكن السؤال الأهم ليس كم كان عدد الذين يحملون عضوية الحزب أو ينتسبون إلى مؤسسات النظام، وإنما كم كان عدد الذين كانوا مستعدين للدفاع عن عقيدة النظام ومشروعه باعتبارهما قناعة شخصية، لا باعتبارهما أمرًا مفروضًا أو وسيلة للحفاظ على الوظيفة والمكانة والمصلحة؟ وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين نظام يمتلك مؤسسات وأعدادًا ضخمة من المنتسبين، وبين نظام نجح فعلًا في بناء حاضنة عقائدية واجتماعية يمكنها الصمود عندما تتعرض سلطته للاهتزاز.

كانت الحرب التي اندلعت بين عراق صدام حسين وإيران الخميني مرتبطة في جانب أساسي منها بمخاوف النظام العراقي من امتداد المشروع المذهبي الذي حمله نظام الخميني إلى دول المنطقة، ولا سيما العراق، حيث يشكل الشيعة غالبية سكانه، وكان هاجس صدام حينها يتمثل في استباق ما اعتبره "العاصفة" القادمة، والحيلولة دون حدوث اختراق أو نخر عقائدي داخل أوساط الشيعة العراقيين، خصوصًا في ظل إعلان الخميني عزمه على إقامة نظام عقائدي يستند إلى منظومة ولاية الفقيه ويمنح البعد المذهبي دورًا محوريًا في بنية الدولة والمجتمع.

من هذا المنطلق، لم ينظر النظام العراقي إلى مشروع الخميني باعتباره مجرد تغيير سياسي في دولة مجاورة، وإنما باعتباره مشروعًا عابرًا للحدود ويمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على استقرار العراق وتركيبته السياسية والديموغرافية.

وعند التمعن في تفاصيل مجريات حرب الأعوام الثمانية، يتضح أن العراق لم يكن يواجه في الجانب الإيراني مجرد جيش تقليدي يخوض حربًا دفاعًا عن حدود بلاده، وإنما كان يواجه منظومة سياسية وعقائدية استطاعت أن توظف الحرب في تعبئة المجتمع وإعادة تشكيل سلوك المقاتل على أساس ديني وأيديولوجي. وقد بدا ذلك واضحًا في مشاهد المعارك، حين كان الجيش العراقي يرى بأم عينيه شبانًا إيرانيين مؤدلجين عقائديًا يندفعون نحو حقول الألغام، مدفوعين بثقافة الشهادة والتضحية التي عمل نظام الخميني على ترسيخها منذ الأيام الأولى لقيامه.

ولم تكن هذه الظاهرة مجرد مسألة عسكرية عابرة، بل كان لها أثر نفسي عميق في حسابات الجندي العراقي وفي نظرته إلى طبيعة الخصم الذي يواجهه، فالمقاتل الذي يجد نفسه أمام خصم مستعد للموت انطلاقًا من قناعة عقائدية راسخة لا يتعامل معه بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع جيش تقليدي تحكمه الحسابات العسكرية وحدها، ومن هنا يمكن فهم جانب من التعقيدات النفسية التي رافقت الحرب، ولا سيما في مراحلها الأولى، حيث لم يكن التفوق في السلاح أو الخبرة القتالية كافيًا وحده لحسم المعركة.

وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الانهيارات والأسر الواسع في صفوف الجيش العراقي خلال عام 1982، في إطار أوسع من مجرد تفسير عسكري مباشر، إذ تداخلت فيه عوامل عديدة، من بينها المفاجأة العملياتية، وطبيعة القيادة، وظروف المعركة، والحسابات السياسية، إلى جانب العامل النفسي الناجم عن مواجهة منظومة عقائدية قادرة على تعبئة أعداد كبيرة من المقاتلين وتحويل الحرب إلى قضية وجودية.

وهنا تظهر إحدى المفارقات التاريخية المهمة بين النظامين: فقد نجح الخميني، إلى حد كبير، في تحويل العقيدة الدينية إلى أداة سياسية وعسكرية لتثبيت النظام وحشد المجتمع وتعبئة المقاتلين، بينما عجز نظام البعث، بالرغم من امتلاكه خطابًا أيديولوجيًا وشعارات قومية واسعة، عن إنتاج حالة عقائدية مماثلة بالعمق والتأثير داخل مؤسسات الدولة والجيش، حيث بقيت العلاقة بين النظام البعثي وقواعده الاجتماعية والعسكرية محكومة بدرجة أكبر بالخوف والانضباط السلطوي والولاء السياسي، أكثر مما كانت قائمة على اقتناع عقائدي قادر على دفع الفرد إلى التضحية الطوعية.

وبنفس الأسلوب الذي انتهجه نظام البعث العراقي في تعامله مع النظام العقائدي في إيران، أخفق المجتمع الدولي عمومًا والبلدان الغربية خصوصًا، ولكن في سياق أشد فظاعة، في فهم طبيعة هذا النظام والتعامل معه، إذ جرى التعاطي معه كما لو كان مجرد نظام دكتاتوري آخر يمكن احتواؤه أو ردعه بالأساليب التقليدية، والحقيقة أن نظام ولاية الفقيه يختلف بصورة جوهرية عن سائر الأنظمة الاستبدادية، فهو، ومنذ تأسيسه، نظام ذو طبيعة أخطبوطية، يمد أذرعه في اتجاهات متعددة، ويقيم لنفسه منظومة متشابكة تتجاوز حدود مؤسسات الدولة الرسمية.

ولعل وصفه بأنه أكثر من "دولة داخل دولة"، لكل منها امتداداتها وتجذرها وعمقها الخاص، يعطي انطباعًا أقرب إلى حقيقة هذا النظام الذي تجاوز في بنيته وأدواته حدود الدولة التقليدية والمنطقة المحيطة بها، ومن هنا، فإن التعامل معه بطرق سطحية أو وفق حسابات آنية أو افتراض إمكانية احتوائه من خلال التنازلات والصفقات وحدها، يمثل خطأ استراتيجيًا كبيرًا، بل قد يمنحه في بعض الحالات مزيدًا من القدرة على إعادة إنتاج نفسه والاستمرار، ولعل الحربين الأخيرتين اللتين خاضهما تقدمان دليلًا عمليًا على خطورة هذا النهج وعلى ضرورة التعامل مع طبيعته المركبة بصورة أكثر واقعية وعمقًا.

ولذلك، وبناءً على ما أسلفنا، فإن استمرار هذا النظام لم يعد مجرد تهديد يمكن احتواؤه أو تحد يمكن تطويقه بمرور الوقت، أو أزمة عابرة يمكن للنظام نفسه أن يجد لها مخرجًا، بل نحن أمام منظومة تجاوزت في طبيعتها وأسلوب بقائها حدود ما هو مألوف في تجارب الأنظمة العقائدية، بما فيها التي عرفتها المنطقة، ولا سيما الأنظمة ذات الطابع الديني.

فهذا النظام لا يواجه الأزمات من أجل حلها، ولا يتعامل مع التحولات من أجل استيعابها، وإنما يسعى إلى إخضاع الواقع برمته لمنطق بقائه وإعادة تشكيل الظروف بما يخدم استمراره، حتى وإن كان على حساب المجتمع والدولة والمنطقة بأسرها، إذ إنه كلما اشتدت الضغوط عليه ازداد تشبثًا بأدوات القمع والتدخل والتصعيد، وكأن بقاءه أصبح غاية تتقدم على كل ما عداها.

ومن هنا تحديدًا تكمن خطورة هذه المسألة، إذ لم يعد التحدي متمثلًا في سياسات النظام أو بعض من ممارساته، وإنما في بنية نظام جعل من الأزمات وسيلة للبقاء، ومن القمع أداة للحكم، ومن تصدير الأزمات إلى الخارج وسيلة لتأجيل انفجاره الداخلي، ولذلك فإن الرهان على احتوائه أو إصلاحه من داخله أو انتظار أن يتراجع طوعًا عن نهجه، لا يبدو سوى إطالة أمد الأزمة وتأجيل لحظة الحسم.

إن المشكلة في جوهرها لم تعد مشكلة نظام يمكن احتواؤه، وإنما نظام أصبح هو المشكلة نفسها، ولهذا فإن تجاوز هذه المرحلة لا يمكن أن يتحقق من خلال تسويات مؤقتة أو حلول جزئية، بل من خلال تغيير جذري يضع حدًا لمنظومته السياسية والأمنية والفكرية، وبتعبير أشد وضوحًا: لم يعد إسقاط هذا النظام مجرد خيار مطروح بين خيارات أخرى، بل بات، في ظل مساره الراهن، ضرورة تفرضها طبيعة الأزمة واستحالة استمرار الوضع على ما هو عليه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.