: آخر تحديث

الخروج من النفق: شيعة لبنان والدولة

2
3
2

لم تكن الأنفاق التي حفرها حزب الله في الجنوب اللبناني مجرد منشآت عسكرية، بل كانت التعبير الأكثر صدقاً عن ثقافة سياسية كاملة أراد الحزب أن يفرضها على لبنان، وعلى شيعة لبنان بصورة خاصة. ثقافة مفادها أن ما يوجد تحت الأرض أهم مما فوقها، وأن ما اُخفِيَ أهم من المُعلَن، وأن التنظيم أهم من الدولة، وأن الصاروخ أهم من المنزل، وأن، في نهاية المطاف، بقاء "المقاومة" أهم من بقاء القرية وأهلها.

هذه هي عقلية الأنفاق، تحويل الجغرافيا اللبنانية من وطن يُعاش فيه إلى مسرح عمليات؛ وأن يصبح المواطن المقيم فوق الأرض ملحقًا ببنية عسكرية قائمة تحت مسكنه.

وهذه العقلية ليست منفصلة عن التحول الأيديولوجي الذي أدخله حزب الله إلى البيئة الشيعية اللبنانية منذ تأسيسه. فمن المفارقات التي يتجاهلها الحزب أن العلاقة الدينية بين جبل عامل وإيران لم تبدأ بتلقي اللبنانيين دينهم من طهران، بل على العكس إلى حد ما. فقد كان دور علماء جبل عامل أساسياً في ترسيخ التشيع الاثني عشري في إيران الصفوية، وأسهمت هجرتهم العلمية والفقهية في بناء مؤسساتها الدينية.

أي أن جبل عامل أعطى إيران علماء وفقهاء، ثم عاد حزب الله بعد قرون ليفرض على أبناء جبل عامل قبول صيغة سياسية إيرانية حديثة ومثيرة للجدل تُصدرها لهم ولاية الفقيه؛ وأن يصبح ولاءهم السياسي لفقيه يجلس في طهران جزءاً من شريعتهم الدينية وقناعاتهم السياسية. وهنا تكمن المفارقة: لم يعد المطلوب من الشيعي اللبناني أن يكون شيعياً فحسب، بل أن يكون جزءاً من مشروع سياسي إقليمي تقوده الجمهورية الإسلامية.

لكن الأنفاق تحتاج دائماً إلى ذريعة فوق الأرض.

بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، كان يفترض أن ينتهي الدور العسكري الوظيفي الذي برر حزب الله وجوده على أساسه وهو وجود الاحتلال. غير أن الحزب وجد في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا الذريعة المثالية لإطالة عمر سلاحه، وتحويل مساحة محدودة ومتنازعاً على وضعها الحدودي إلى مبرر دائم لوجود جيش كامل خارج الدولة.

هنا ولدت إحدى أهم الهرطقات السياسية في خطاب الحزب: بضعة كيلومترات من الأرض أصبحت كافية لتبرير ترسانة صاروخية، وأجهزة أمنية واتصالات، واقتصاد موازٍ، وأخيراً شبكة هائلة من المنشآت العسكرية والأنفاق.

قيل للّبنانيين إن الأرض مقدسة، وإن كل شبر أرض يحفز بقاء هذا السلاح إلى الأبد. وقيل لهم إن هذا السلاح "ردعي"، وإن إسرائيل لن تجرؤ على شن حرب واسعة طالما بقيت الصواريخ في المخازن.

ثم جاء الامتحان، فسقطت النظريتان معاً.

منذ فتح حسن نصر الله جبهة "الإسناد"، وصولاً إلى الحرب التي أعقبتها، هذا الردع لم يمنع إسرائيل من توسيع عملياتها، ولم يحم السلاح الجنوب من الدمار ولا أهله من النزوح. القرى التي قيل إن السلاح موجود لحمايتها دُمرت، وشيعة الجنوب الذين اتخذهم الحزب سببًا موجبًا لوجود المقاومة لتدافع عنهم هُجّروا، وتحولت مناطق واسعة من ممتلكاتهم إلى ساحة حرب مفتوحة بدون أن يستشرهم أحد في قرار إشعال هذه الحروب المتتالية.

والأكثر سخرية أن الخطاب نفسه الذي تغذى عقوداً على تقديس الأرض بدأ، عندما ضاعت الأرض، يطرح مسألة عدم التمسك بالجغرافيا، واستدراج الإسرائيلي إلى العمق اللبناني، وكأن القرى مجرد مربعات على خريطة عسكرية، وكأن بنت جبيل والخيام والعديسة وميس الجبل والنبطية ليست قرى تتضمن بيوتاً وذكريات وأرزاقاً ومقابر، بل مساحات مناسبة لاستنزاف العدو.

فإذا كانت الجغرافيا غير أساسية، لماذا احتاج لبنان عقوداً من السلاح لتحريرها؟ وإذا كانت الأرض قابلة للتضحية في سبيل "المعركة الكبرى"، فلماذا استخدمت مزارع شبعا أصلاً حجة لإبقاء السلاح؟

هذه ليست إستراتيجية عسكرية بقدر ما هي عملية إعادة تعريف لمعنى الخسارة كي لا يضطر الحزب إلى الاعتراف بها.

والأخطر أن عقلية الأنفاق لا تزال مستمرة بعد انهيار الردع. فبدلاً من العودة إلى الدولة، يعاد إنتاج الفكرة ذاتها: مزيد من السرية، مزيد من البنى العسكرية، ومزيد من الارتهان للحرس الثوري الإيراني وضباطه والمقاتلين الذين ينظرون إلى الجنوب اللبناني بوصفه ساحة من ساحات المشروع الإيراني، لا أرضاً يسكنها لبنانيون لهم الحق في الحياة والاستقرار.

والمطلوب مجدداً أن يقبل اللبنانيون بأن تتحول قراهم إلى ميدان لاستنزاف إسرائيل، وأن يصبح أهل الجنوب دروعاً بشرية في معركة هدفها الأخير تعزيز أوراق طهران التفاوضية.

المشكلة إذاً لم تعد في النفق العسكري وحده، بل في النفق الفكري الذي يراد للبنانيين، وخصوصاً لشيعة لبنان، أن يبقوا داخله.

فالخروج الحقيقي من هذه الحرب لا يبدأ بحفر نفق أكثر عمقاً، ولا بإطلاق صاروخ أبعد مدى، بل باستعادة مفهوم مقدس كاد حزب الله يمحوه: الأرض وُجِدت ليعيش عليها الناس، لا ليموتوا دفاعاً عن سلاح مخبأ في جوفها.

وإن الجنوب ليس جبهة إيرانية متقدمة، بل أرض لبنانية.

وإن أفضل طريقة لحمايته ليست تحويله إلى قلاع عسكرية تحت الأرض، بل إعادته كاملاً إلى الدولة وأهلها.

لقد حان الوقت لشيعة لبنان أن يخرجوا من الأنفاق؛ ليس فقط تلك المحفورة تحت قراهم، بل تلك التي حُفرت طوال أربعة عقود في السياسة والوعي والهوية. فالجنوب لا يحتاج إلى المزيد من المخابئ، بل إلى دولة؛ ولا يحتاج أهله إلى عقيدة جديدة في الصمود تحت الركام، بل إلى حقهم الطبيعي في أن يعيشوا فوق أرضهم بأمان وكرامة، لا أن يتحولوا إلى وقود في حرب الآخرين.

ولعل أبا القاسم الشابي، لو قُدّر له أن يرى ما آلت إليه "ثقافة الأنفاق" في لبنان، لسمح لنا بالتصرف في بيته الشهير فنقول:

ومن يتهيبُ رحابَ الدولةِ يعشْ أبدَ الدهرِ في الأنفاق، حيث تسكن القوارض… وتتعفن الأفكار المسمومة.

فالخيار الذي يواجه حزب الله وبيئته لم يعد يتأرجح بين المقاومة والاستسلام، بل بين الدولة والنفق. ومن يرفض الخروج إلى كنف الدولة، محكوم عليه بالبقاء في النفق، حتى ولو أقنع نفسه بأنه انتصر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.