: آخر تحديث

سرقةٌ حتى إثبات العكس

2
2
2

صارَ لزاماً على كاتب الرّواية أن يثبتَ بالبراهين الدامغة، للناشر والقارئ وكل مَن يهمه الأمر، أنَّه هو وحدَه من سطّر نصّه، ولم يركن إلى الذكاء الاصطناعي، بعد أن ماتت الثقة، وانتفت المصداقية، وتاهت الكتب في غابة الفوضى. هذا ليس كلاماً إنشائياً، بل تحسراً على حال باتَ فيه الكاتبُ مقيداً في قفص الاتهام حتى يثبت العكس.

ولا يزال عالم النشر يعيش صدمة إلغاء صفقة ضخمة تجاوزت المليوني دولار، لكاتب نيجيري شاب هو جيري فالادي (طالب دكتوراه في الكيمياء في دالاس) مقابل الحصول على روايته الأولى التي تحمل اسم «اتصل بي، وسأتولى إخفاء الجثة» بعد أن تسابقت للحصول عليها 14 دار نشر. فازت بالرواية «دار مينوتور» التابعة لمجموعة «ماكميلان» الأميركية، لكن الاحتفاء سرعان ما انتهى بإلغاء النشر، وسحب العقد وتراجع الوكالة الأدبية التي تولت تسويق المخطوطة عن مهمتها، بعد شكوك في استخدام الكاتب الذكاء الاصطناعي إما لتطوير الرواية وإما لتعديلها.

المثير أن أحداً لم يتمكن من تقديم إثباتات بأنَّ الرواية خضعت لأي تدخل آلي، لكن الشكوك وحدها كافية، مع غياب أدوات كشف علمية كفؤة. هكذا تدمر بطرفة عين المسار الاستثنائي الذي خاضه الكاتب، وحُرم من فوز محقق ومبلغ خيالي.

الرواية تصدرت وسائل الإعلام مرة بسبب التنافس الحاد عليها، ومرة أخرى بسبب رفض التعاطي معها بوصفها نصاً بشريّاً موثوقاً. وقيل إن الوكالة الموكلة إليها عجزت عن تتبع تطور العمل الكتابي، كما ظهرت مؤشرات في الأسلوب قد تدل على وجود مقاطع مولدة آليّاً.

فالادي لم ينكر أنه استعان بالذكاء الاصطناعي للتعرف على مواد كيميائية تذيب الجثث، والتحقق من تفاصيل علمية دقيقة، وهو بعض ما أثار الإعجاب وعزز الشكوك في وقت واحد، لكنه أنكر أن تكون الآلة قد ساهمت في حياكة النص أو تطوير القصة.

الرواية التي قال عنها وكيلها الأدبي إنها «مذهلة إلى حد كبير»، وإن كل من اطلع عليها «وقع في حبها»، انفضّ عنها المعجبون، وفتحت نقاشاً حول خطورة أن يتحول الكتّاب إلى متهمين، مما يسهل على دور النشر التنصل من واجباتها، بمجرد أن ترمي الكاتب بالكذب، حتى دون وجه حق.

كل ما تسرب عن الرواية أنها بوليسية بطلها طالب كيمياء نيجيري (كما المؤلف) يُدعى فيمي جونسون (26 عاماً) يستغل مهارته العلمية في التخلص من الجثث. هو ليس قاتلاً، ولا مجرماً، وليس فضولياً أيضاً، لا يهمه من القاتل، ولا من الذي قتل، مهمته إخفاء أثر أعقد الجرائم، من خلال معرفته بمعالجة الأسطح وطبيعة المواد وعلم التحلل وأسرار التفاعلات. تبدأ الحكاية في جزيرة بنانا حين تستدعيه امرأة ثرية طعنت زوجها وهي تتشاجر معه بسبب الخيانة، وتستعين بمن يصف نفسه بأنه بعد تدخله «الغرفة نفسها التي حدثت فيها الجريمة تنسى ما حدث».

الرواية فيها من الواقع الدقيق، بقدر ما تفاجأ القارئ بشطحات اللامتوقع، إلى حدّ جعل التساؤلات كثيرة حول الموهبة التي أنتجت هذا التركيب البديع.

لكن ما هو المسموح فعلياً، ومتى يتم تجاوز الحدود؟ هل يمنع استخدام الذكاء الاصطناعي في تقصي المعلومات العلمية لرواية؟ أو التأكد من صحة خبر؟ وهل بات حتى طلاب الدكتوراه وأصحاب الأبحاث الكبرى والعلماء في المختبرات يسمح لهم بالاستفادة من هذا الإنجاز الرهيب، ويوضع الأدب وحده في خانة الإقصاء الكلي؟ وكيف يتم الترحيب بروايات نسجت بكاملها بالذكاء الاصطناعي وتُعطى الجوائز، لا بل وتتحول إلى «بيست سيلر» مع اعتراف كتابها، وتباهيهم بأنهم ينجزون عدداً قياسياً من الكتب في وقت قصير، يجمعون الثروات ويحصدون المدائح، ثم يتكتل الجميع ضد كاتب شاب ويمنع عنه حتى النشر، وتتحول حكايته إلى فضيحة.

أوليس الأديب النيجيري محقاً، الذي تمَّ إقصاؤه بعد اتهامه من جانب مغرضين بالإساءة لأسباب عنصرية، مستشهداً بواقعتين أخريين حدثتا في ظرف سنة واحدة. رواية ميا بالارد «الرعب» سحبت من المكتبات واتُّهمت باستخدام الذكاء الاصطناعي رغم نفيها القاطع، مما غيّر حياتها، وأصابها بصدمة نفسية. ورواية للكاتبة إم إتش وولف، لم يعرف الكثير عنها، لكن الثلاثة يتشابهون في اللون، وفي التهم الموجهة إليهم. ثلاثتهم حظوا بصفقات خيالية تم التراجع عنها للحجج عينها دون إثباتات. هناك من يعزو جبن دور النشر عندما تفوح روائح الـ«إيه آي» من النصوص إلى أنها تصبح عرضة للقرصنة، لأن لا ملكية فكرية وأدبية لنصوص مولدة.

هيبة الأديب، ومصداقية الكاتب، وشرف الكلمة، ذهبت كلها هباء الريح. صار على صاحب الكتاب أن يحتفظ بخططه الأولى، ومسوداته، وتصحيحاته، وتطور حبكته، والمصادر التي اعتمد عليها، كي يثبت أن كل خطوة قام بها هي فعل بشري خالص، إنما يحق لأصحاب الشركات الكبرى أن تسرق الكتاب بعد ذلك بطريقتها الخاصة، وتدرب عليه برامجها الذكية، وتعيد صياغته، وتبيعه مئات بل آلاف المرات بعد أن تدمجه بمؤلفات أخرى، وتخرج بنسخ محال إثبات أنها كلها مجرد سرقة مركبة تم تدويرها وإنتاجها.

يشعر صاحب «اتصل بي، سأتولى إخفاء الجثة» بالتحدي، ومصرّ على الانتصار بالقضاء، وعلى طبع روايته التي نبذت دون وجه حق، ويتوعد مَن تخلوا عنه بأنهم سيندمون، لأنه سيحقق أضعاف ما كانوا يتوقعون. بالمناسبة استفادت «أنثروبيك» من الواقعة، وأعلنت أنَّ نصوصها المولدة ستحمل مستقبلاً في خلفيتها إشارات تؤكد أنها آلية، لكنها تبقى عاجزة عن إعطائنا أي إشارة حين يتم نسخ النص أو تعديله أو ترجمته أو نقله بصيغة أخرى. فهل هو عجز علمي أم سلوك مدروس ومقصود؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد