ضمن إطار مشاورات المادة الرابعة التي يجريها صندوق النقد الدولي مع الدول الأعضاء البالغ عددها 191 دولة، أصدر المجلس التنفيذي للصندوق في يوليو 2026 التقرير النهائي لمشاورات المادة الرابعة الخاصة بالمملكة العربية السعودية لعام 2026.
تَضمن التقرير تقييمًا إيجابيًا لأداء الاقتصاد السعودي عبر عدد من المحاور الرئيسة، كان أبرزها متانة الاقتصاد الوطني وقدرته على مواجهة الصدمات والتحديات التي شهدها الاقتصادان الإقليمي والعالمي، حيث أكد التقرير على استمرار تعافي الاقتصاد السعودي، وأبدى نظرة إيجابية تجاه آفاق نموه على المديين المتوسط والطويل، في ظل استمرار الإصلاحات الاقتصادية والتنموية.
وأبرز التقرير الدور المحوري لرؤية السعودية 2030 في قيادة الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية، وتعزيز التنويع الاقتصادي، وترسيخ أسس النمو المستدام والشامل. وأشاد بالجهود المشتركة التي بذلتها الجهات الحكومية والقطاع الخاص في تنفيذ الإصلاحات وتحقيق مستهدفات الرؤية، بما انعكس إيجابًا على التنمية الاقتصادية، ورفع كفاءة الاقتصاد السعودي، وتعزيز قدرته على مواجهة التحديات.
وأكد التقرير على أن المملكة تتمتع ببنية تحتية متطورة مكّنتها من إعادة توجيه كميات كبيرة من شحنات النفط والمنتجات غير النفطية عبر موانئ البحر الأحمر بكفاءة، بما يعكس نجاح التخطيط طويل المدى والاستثمارات المتواصلة في تطوير البنية التحتية على مدى العقود الماضية. وثمّن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي تركيز الحكومة على تعزيز المرونة الاقتصادية، معتبرًا ذلك نهجًا ملائمًا في مواجهة الأزمات، إذ أبرزت التطورات الأخيرة أهمية تنوع البنية التحتية ومرونة سلاسل الإمداد، إلى جانب المكانة المحورية للمملكة في أسواق النفط العالمية باعتبارها أكبر مصدر للنفط في العالم، وما تتمتع به من طاقة إنتاجية كبيرة.
وأشاد المجلس بامتلاك المملكة لاحتياطيات كبيرة من السلع الأساسية، إلى جانب أصول أجنبية كبيرة معظمها استثمارات طويلة المدى واستراتيجية الطابع، حيث أشار تقرير المجلس أن صافي الأصول الأجنبية بلغ لدى البنك المركزي السعودي 488 مليار دولار بنهاية شهر مايو 2026، أي ما يعادل نحو 14 شهرًا من الواردات، والذي يُعد بين أعلى المتوسطات العالمية.
وأكد الصندوق على تمتع القطاع المصرفي السعودي بمتانة عالية، إذ بلغ متوسط معدلي كفاية رأس المال الإجمالي ومعدل الشريحة الأولى 20.5 % و18.8 % على التوالي في 2025، كما وتحسنت جودة الأصول المصرفية بتراجع نسبة القروض المتعثرة إلى 1.0 % من إجمالي القروض - وهو أدنى مستوى تسجله المملكة منذ العام 2009 - بما يعزز قدرة القطاع المصرفي على مواجهة تداعيات التوترات الجيوسياسية، مدعومًا بوفرة في رأس المال والسيولة، إلى جانب قاعدة كبيرة من المودعين المقيمين وممارسات إقراض حصيفة.
واعتبر الصندوق أن سياسة سعر الصرف السعودي ركيزة موثوقة للاستقرار النقدي والمالي، إلى جانب وجود احتياطيات كبيرة، تعزز من قدرة القطاع المصرفي على تحمل الصدمات.
وأشاد الصندوق بتعزيز الرقابة المصرفية، والتطبيق الأخير للاحتياطي الرأسمالي المعاكس للدورة الاقتصادية، واتباع نهج استباقي للحد من المخاطر التي قد تهدد الاستقرار المالي، مؤكدًا أن هذه الإجراءات أسهمت في تعزيز متانة القطاع المالي ودعم استقراره.
جميع تلك المؤشرات أسهمت في دعم استمرار نمو الاقتصاد السعودي بمعدلات قوية، إذ توسع الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 4.2 % خلال العام 2025، كما ونما الناتج المحلي الإجمالي الكلي إلى 4.6 %. وقد دعم هذا النمو انخفاض مستويات الدين الحكومي، ووفرة احتياطيات حكومية معتبرة، وتنوع القاعدة الاستثمارية بقيادة صندوق الاستثمارات العامة، قد عززت من قدرة المملكة على مواجهة الصدمات، مدعومة بتراجع العجز الأولي غير النفطي من 24.5 % من الناتج المحلي غير النفطي في عام 2024 إلى 23.3 % في 2025، والذي يشير إلى متانة المركز المالي الذي تتمتع به المملكة.
وعلى صعيد التضخم وسوق العمل والتنمية الاجتماعية، فقد سجل التضخم ارتفاعًا بمعدل 2 % بنهاية العام 2025، والذي ويُعد معقولاً ضمن المعدلات العالمية المقبولة. وقد عززت تعديلات نظام العمل للعام 2025 مرونة سوق العمل، ومبدأ تكافؤ الفرص، حيث انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.3 %، وارتفعت مشاركة المرأة السعودية في القوى العاملة بشكل ملحوظ، من 22.8 % كخط أساس إلى 34.5 % في 2025، في مسار نحو هدف 40 % بحلول 2030، في حين سجلت مشاركة النساء السعوديات في القطاع الخاص نموًا بنسبة 91 % بين عامي 2020 و2026، مقارنة بنمو 31 % للذكور السعوديين في القطاع نفسه. وأخيرًا وليس آخرًا في مجال الإسكان وتوفير المساكن للمواطنين، حيث ارتفع معدل تملك السعوديين للمساكن إلى 66 %، مقتربًا من هدف 70 % لعام 2030، صعودًا من خط أساس بلغ 47 % في العام 2016، وواصلت البنوك التجارية تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، مما ساهم في نموها وارتفاع أعداد السجلات التجارية من 1.5 مليون في الربع الثاني من 2024 إلى 1.7 مليون في الربع الثاني من 2025، ما يعكس استمرار قوة النشاط في بيئة أعمال مواتية لنجاح القطاع الخاص.
وفي المجمل، يعكس التقرير النهائي الصادر عن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في ختام مشاورات المادة الرابعة للمملكة لعام 2026 متانة الاقتصاد السعودي واستمرار قدرته على مواجهة التحديات، مؤكدًا على نجاح السياسات المالية والاقتصادية في تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية، ودعم النمو، وتعزيز التنويع الاقتصادي.

