عبدالعزيز الكندري
في عالم اعتادت فيه شعوب المنطقة أن تربط الثروة بباطن الأرض، تقف دبي كاستثناء يستحق أن يدرس لا أن يروى فقط، فبينما بنيت اقتصادات إقليمية بأكملها على عائدات النفط، اختارت إمارة لم تملك يوماً ثروة نفطية تذكر أن تصنع اقتصادها من لا شيء تقريباً، حتى غدت اليوم مدينة عالمية يقصدها الملايين سنوياً للسياحة والاستثمار والعيش.
اليوم، وبعد ما يقارب سبعة عقود من الانطلاقة الأولى، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإمارة دبي نحو 355 مليار درهم إماراتي خلال الأشهر التسعة الأولى وحدها من عام 2025، مسجلاً نمواً اقتصادياً قوياً بنسبة 4.7 % مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، في ظل أداء استثنائي لمختلف القطاعات الرئيسية والأنشطة الحيوية في الإمارة.
فيما لا تتجاوز مساهمة الأنشطة النفطية والتعدينية في هذا الناتج اليوم نسبة ضئيلة لا تتعدى 2-3 % فقط، مقارنة بـ 54 % كانت عليها في أوائل الثمانينيات. هذا الانتقال، من اقتصاد شبه ريعي إلى اقتصاد متنوع الروافد، هو جوهر القصة التي يستحق كل جيل قادم أن يفهم تفاصيلها.
ولم تكن دبي في منتصف القرن العشرين أكثر من مدينة ساحلية صغيرة، يعيش أهلها على صيد الأسماك، والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، والتجارة عبر خور دبي، ولم يكن لديها نفط يُذكر، ولا بنية تحتية، ولا حتى مطار أو ميناء بالمعنى الحديث، لكن ما امتلكته دبي، ولم تكن تدرك قيمته الكاملة بعد، هو موقع جغرافي استثنائي على مفترق طرق التجارة العالمية.
الخطوة التأسيسية الأولى جاءت عام 1959 حين قرر الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، تعميق وتوسعة خور دبي، في قرار بدا للكثيرين وقتها مغامرة غير محسوبة بالنظر لضآلة الموارد المتاحة، لكن هذا القرار حوّل الخور إلى ممر ملاحي قادر على استقبال سفن أكبر، فارتفعت حركة التجارة وإعادة التصدير بشكل ملحوظ، لتضع دبي على مسار مختلف تماماً عن مسار جيرانها المعتمدين على النفط فقط.
وحين اكتشف النفط في دبي عام 1966 بكميات متواضعة، اتخذت القيادة قراراً إستراتيجياً نادراً في المنطقة آنذاك وهو استثمار العائدات النفطية المحدودة في بناء بنية تحتية تنافسية بدلاً من الاعتماد عليها كمورد دائم. فكانت النتيجة سلسلة من المشاريع التأسيسية الكبرى في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مثل ميناء جبل علي 1979 حيث أُنشئ ليكون أكبر ميناء بحري من صنع الإنسان في العالم آنذاك. وكذلك تم إنشاء المنطقة الحرة في جبل علي، ومركز دبي التجاري العالمي 1979 وطيران الإمارات 1985.
واستقبل مطار دبي الدولي عام 2025 ما يقارب 95 مليون مسافر، محافظاً على موقعه كأكثر مطارات العالم ازدحاماً بحركة المسافرين الدوليين للعام الثاني عشر على التوالي منذ 2014، ويرتبط مطار دبي الدولي حالياً بأكثر من 269 وجهة عالمية تتوزع على أكثر من 107 دول حول العالم، وذلك عبر شبكة واسعة تضم أكثر من 92 ناقلة جوية دولية، ما يرسخ مكانة دبي كمركز عالمي رائد للطيران والأعمال وسياحة السفر.
وهناك مشروع إيلون ماسك، في دبي «دبي لوب»، وهو شبكة أنفاق ذكية وفائقة السرعة تحت الأرض لتخفيف الازدحام المروري، يعتمد المشروع على مركبات كهربائية ذاتية القيادة لنقل الركاب بسلاسة بين المناطق الحيوية، ويصل إلى 17 كيلومتراً في مراحله المختلفة، ويضم 11 محطة تربط أهم المناطق كثيفة الحركة والسكان.
والقصة التي تحكيها دبي هي حضور الرؤية، فالثروات الطبيعية تنضب أو تتقلب أسعارها، أما الرؤية المؤسسية الجريئة، مدعومة بالاستمرارية والانفتاح على العالم، فهي ثروة لا تنضب، بل تتجدد مع كل جيل يبني على ما بناه من سبقه، وتقول تجربة دبي بوضوح إن المورد الحقيقي الذي لا بديل عنه هو الإنسان، وهي الثروة التي صنعت من قرية صيد صغيرة على ضفاف خور متواضع، واحدة من أكثر مدن العالم حيوية وطموحاً.

