: آخر تحديث

لويس وتأخّر العرب والمسلمين

3
3
3

يعتبر الفيلسوف اليهودي الأمريكي، البريطاني المولد، برنارد لويس، (1916–2018)، أحد أهم مؤرخي ومفكّري القرن الـ20، وصاحب مشروع الشرق الأوسط الجديد، وعمل لفترة مستشاراً لبوش الابن، وله مؤلفات قيّمة عدة، أهمها ما يتعلّق بأوضاعنا، مثل «ما الخطأ الذي حدث؟» What Went Wrong، وتعلّق بما حدث للعرب والمسلمين، بحيث وصلوا للوضع الحالي، بعد أن كانوا أصحاب شأن يوماً ما. فطوال القرنين الـ7 والـ8، وصاعداً، وحتى تحت حكم العثمانيين، كانوا في طليعة القوة العسكرية والاقتصادية والعلمية والثقافية، وتفوقوا على أوروبا في العديد من المجالات.

يكشف لويس، في كتابه، أسباب هذا التحول، وكيف تعامل الشرق الأوسط مع الأمر، غالباً بالإنكار ولوم الغرب واليهود، وخونة الداخل، وبيّن أن التراجع كان، في معظمه، سابقاً للاستعمار، ولم يكن بسبب الغزو المغولي، بل نشأ أساساً من عوائق ثقافية واجتماعية ومؤسسية عميقة الجذور حالت دون التكيّف مع الحداثة، فقد تخلّفوا عسكرياً وتكنولوجياً بسبب الهزائم أمام القوات البحرية والجيوش الأوروبية، كما باءت كل محاولاتهم لاستيراد التكنولوجيا بالفشل لأسباب دينية وثقافية، كما تفوّق الغرب عليهم بفضل الرأسمالية والصناعة والابتكار والعلوم التجريبية.

في المقابل، عانت المجتمعات الإسلامية من التسلسل الهرمي الاجتماعي الجامد، ومحدودية الحراك الاجتماعي، والمواقف المعادية للبحث العلمي الواسع، ورفض التعلّم من الآخرين، حتى استعمال المطبعة كان محرماً من قبل رجال الدين، ولم تستعمل إلا بعد أكثر من 450 سنة من اختراعها، كما ساهم شعورهم بالتفوق المتجذر في أمجاد الماضي، إلى إهمال التعلّم من الغرب «الكافر»، مقارنة بما أبداه الغرب من فضول تجاه الشرق. وكان لقضايا مثل دور المرأة، والعلمانية، والموسيقى، والفنون، والمجتمع المدني، دور في تجذير ذلك التخلف، كما كانت هناك مقاومة سياسية واجتماعية للإصلاح، ولا تزال قوية، إلى حد ما، وغالباً من المؤسسة الدينية، كما كان الحنين إلى «إحياء المجد الإسلامي» سائداً على التحديث العلماني المستدام، باستثناء تركيا أتاتورك.

لا يُحمّل لويس الإسلامَ كدينٍ مسؤوليةَ التراجع، إذ يُشير إلى أنه كان في يومٍ من الأيام قوةً فاعلة، بل يُسلّط الضوء على كيف أعاقت بعضُ التفسيرات والبنى الدينية السياسية المتشابكة التكيّفَ مع الحداثة، مثل مقاومة العلمانية، بالرغم من علمهم بأنها ساعدت الغرب في حلّ الصراعات بين الكنيسة والدولة، كما يرى لويس أن المشكلة تكمن في عجز العالم الإسلامي، الشرق أوسطي، أو عدم رغبته في مواجهة مصادر القوة الغربية والتكيّف معها بشكل كامل نتيجةً لجمود ثقافي داخلي، ما أدى إلى انحدار طويل ومؤلم واضطرابات مستمرة.

يرى منتقدو أطروحة لويس أنه يُبسّط العمليات التاريخية المعقدة تبسيطاً مفرطاً، ويُضفي طابعاً جوهرياً على الثقافة الإسلامية، ويُقلّل من شأن العوامل الخارجية كالاستعمار والتدخلات الغربية، ويعكس منظوراً استشراقياً أو أيديولوجياً. ورغم أنه كان مؤرخاً مرموقاً، فإن الكتاب، الذي أعيد نشره بعد أحداث 11 سبتمبر، أثار ردود فعل أكاديمية وسياسية حادة.

ويرى النقاد أن مؤلفه قلّل من شأن الآثار المدمرة للاستعمار الأوروبي، والاستغلال الاقتصادي، وترسيم الحدود التعسفي، ودعم الأنظمة الاستبدادية، والتدخلات اللاحقة، حيث تجاهلها تماماً. واعتبر إدوارد سعيد (مؤلف كتاب «الاستشراق») لويس مثالاً بارزاً على التيار الذي انتقده، وأنه باحثٌ خدمت أعماله مصالح القوى الغربية (التي أصبحت لاحقاً قوى محافظة جديدة) من خلال تصوير «الشرق» على أنه متخلف، أو مستبد، أو عاجز عن التحديث الذاتي. ورأى بعض رجال الدين، من العرب والمسلمين، أن الكتاب يُسيء إلى الحضارة الإسلامية، ويُروّج لفكرة أن المسلمين «جديرون» فقط إن اقتدوا بالغرب. بينما يُشيد مؤيدوا لويس بعمقه اللغوي والتاريخي، وشجاعته في مواجهة الأنماط غير المريحة، وتركيزه على المساءلة الداخلية. وتناسى منتقدو وجهة نظره أن دولاً كثيرة تعرّضت للاستعمار والاستبداد الأوروبي، ومع هذا نهضت وتقدمت، وبقيت دولنا على سابق أوضاعها.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد