مَن استوحش السلام استأنس بالحرب، ومتى ضاق بالشراكة - حتى شراكة الوجود على وجه الأرض - تاق إلى الانفراد... وبعدما رجا الهدنة وقت ضعفه، عاد ينبذها متوهماً قوته، بإيحاءات خارجية، متشبعاً بروح الكراهية.
ذاك وضعُ مَن لا يبلغ مستوى المسؤولية الشاملة، ويسعى إلى إقصاء كل مختلف معه؛ حد إنكار وجوده طرفاً في المعادلة. يتمادى في التطاول والإحراج لمن مدوا إليه يد الوساطة الحسنى، ثم يتهم الجميع بما تقترف يداه، ويصنف أعداءه، راجياً في الوقت ذاته خضوعهم له ولاشتراطاته... يا للعجب!
جماعة «أنصار الله» أو ميليشيا الحوثيين، هكذا تفكر وتتصرف، وبات نمطها مكشوفاً ومعروفاً للعيان، حتى إن محاكاةَ النهج الثوري الإيراني في إطلاق المعاذير والمماطلة، ومؤخراً تهديد المضائق، لم تعد تَخفى على أحد.
ولفهم خلفيات هذا السلوك ودوافعه؛ ما خفي منه وما ظهر، يفيد الاستماع إلى مَن عايشوا الجماعة وخبروا شؤونها؛ مثل السياسي اليمني علي البخيتي في آخر مقابلاته مع قناتَي «الحدث» و«العربية»، فقد بيّن طرائق تفكير قادتها، وتوقعه لما سيؤول إليه هؤلاء.
ليس جديداً، إذن، على أحد في اليمن، وفي المنطقة والعالم، ما تنتجه الميليشيا من ادعاءات وتهديدات للمصالح الحيوية، فضلاً عن الخروقات المعلنة بإطلاق المسيّرات والصواريخ، وإصابة الجنود والمواطنين اليمنيين، براً وبحراً وجواً، وتهديد المنشآت المدنية والاقتصادية في السعودية خلال أوائل أغسطس (آب) 2026.
وليس ثمة ابتكار في اعتماد التصعيد العسكري والإعلامي لتثبيت الوجود وتعزيز الحضور، ناهيك بتطبيق المثل «رمتني بدائها وانسلت»، حين تُلقي الميليشيا على غيرها ما ترتكبه، وما تكتسبه هي من نعوت «أعيت من يداويها».
ليس غريباً، كذلك، أن تجد القادة العسكريين في القيادة اليمنية بين جنودهم، لا سيما في الساحل الغربي وغيره من مناطق انتشار وحدات الجيش اليمني؛ ومن الطبيعي أن ينشغل كبار القادة بالاتصالات والاجتماعات وإصدار التوجيهات اللازمة، قبل أن يتجهوا في الوقت المناسب والمحتوم إلى حيث ينبغي أن يكونوا، سواءٌ أكان داخل اليمن أم خارجه.
أليست تلك مقتضيات حروب يُفترض الوصول إلى نهايتها؟ لعل العالم يرى جديداً إزاء معضلة يمنية قديمة، بفعل من تناسبهم الحرب علاجاً؛ ما دام السلم واللين والهدنة والمبادرات والوساطات لم تُجدِ نفعاً بعد.
يتضح واقعياً ما ثبت تاريخياً: أي ميليشيا أو جماعة دينية - سياسية، تُخلَق بالحرب، فإنها تعيش في ظل الحرب، وتَشُق طريق فنائها بالحرب. وميليشيا الحوثيين ليست استثناءً من هذه القاعدة؛ دنا أمر هيمنتها أو تأجل قليلاً.
بعدما ظلت القاعدة: لا جديد تحت الشمس في اليمن، فلعل الجديد الآن أن أطراف «اليمننة» بدأوا يَخطّون نهاية الحرب وصولاً إلى السلام.
ترى؛ عن أي سلام نتحدث؟
عن #السلام_لليمن الذي يرتضيه الجميع، في اليمن وفي المنطقة والعالم... سلامٍ لا يكون فيه بيد الميليشيات أي سلاح، فتأسر الحاضر والمستقبل في كهوف ماضيها، وتغرس في عقول الأجيال آيديولوجيا متطرفة... سلامٍ يمنع اغتراب القوى الوطنية عن أوطانها، ويخلق أمناً واستقراراً لا يجعل اليمن، بفعل أزماته، عبئاً على أحد، ولا صداعاً مؤرقاً لأحد.
أليس هذا هو الجديد المرتضَى والمنتظر، لئلا يبقى حال اليمن: لا جديد فيه؟

