من مكة خرجت رسالة تبدو عسكرية في ظاهرها، لكنها سياسية في مقصدها: المنطقة لا تحتاج إلى حرب أخرى، بل إلى ميزان يجعل الحرب أقل احتمالاً.. فالقوة حين تُستخدم بحكمة ليست نقيضاً للسلام، بل قد تكون ضمانته.. ومن يريد حماية التنمية يحتاج إلى الاستقرار، ومن يريد الاستقرار يحتاج إلى ردع مقنع..
في السياسة، لا تكون الأمكنة محايدة دائماً، ولا تأتي التواريخ بلا دلالة. ولذلك فإن اختيار مكة المكرمة لاحتضان توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة وتركيا وباكستان، يوم الجمعة، يضع الاتفاق منذ لحظته الأولى في سياق يتجاوز مراسم التوقيع وبنود التعاون العسكري.
نحن أمام رسالة سياسية اختير لها مكانها وزمانها بعناية: السلام يحتاج إلى قوة تصونه، وسيادة الدول لا يمكن أن تبقى مكشوفة أمام من يعتقد أن استخدام القوة أو التهديد بها طريق سهل لفرض الإرادات. وتأتي الاتفاقية في لحظة دولية وإقليمية شديدة الاضطراب. النظام الدولي نفسه يمر بمرحلة إعادة تشكيل، بينما تواجه منطقتنا تراجعاً في اليقين الذي حكم ترتيباتها الأمنية لعقود. الحروب تتسع، والتكنولوجيا غيّرت طبيعة التهديدات، والطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة والحروب غير المتماثلة جعلت المسافة بين التوتر السياسي والمواجهة العسكرية أقصر من السابق.
من هنا ينبغي قراءة الاتفاق الثلاثي باعتباره محاولة لبناء قدر أكبر من القدرة الذاتية على الردع، وليس إعلاناً عن محور يبحث عن خصم. فالقاعدة التي تقرر أن الاعتداء المسلح على دولة من الدول الثلاث يمثل اعتداءً على الجميع تحمل ثقلاً سياسياً لا يقل عن بعدها العسكري. وظيفتها الأساسية أن تجعل الطرف الذي يفكر في الاعتداء مضطراً إلى حساب رد فعل ثلاث دول، لا دولة واحدة. وهذه، في جوهرها، فلسفة الردع: تغيير حسابات الخصم قبل إطلاق الرصاصة الأولى، لا البحث عن فرصة لإطلاقها. ومن الخطأ كذلك التعامل مع الاتفاقية بوصفها مجرد إضافة تركيا إلى العلاقة الدفاعية السعودية-الباكستانية. فالإطار الثلاثي الجديد لا يمحو العلاقات والاتفاقيات القائمة بين أطرافه، وإنما يضيف إليها مستوى مؤسسياً مختلفاً. وهذا فارق مهم؛ لأنه يعني أن الدول الثلاث لا تتحرك من منطلق ظرفي ضيق، وإنما تعمل على بناء شبكة تعاون تسمح لها بتطوير التدريب والتخطيط وتبادل الخبرات ورفع الجاهزية، وصولاً إلى توسيع مجالات التعاون في الصناعات الدفاعية.
وبالمقدار نفسه، ستكون قراءة الاتفاق من زاوية السلاح النووي الباكستاني وحده قراءة مختزلة. امتلاك إسلام آباد قدرة نووية لا يعني تلقائياً انتقال هذه القدرة إلى بقية الأطراف، ولا يحوّل كل التزام دفاعي معها إلى «مظلة نووية». الاتفاق، وفق هذا المنظور، أوسع من ذلك وأشد اتصالاً بفكرة الردع التقليدي والتكامل العسكري والاستراتيجي. ما يمنح هذا الترتيب أهميته الفعلية هو أن الدول الثلاث لا تقدم النسخة نفسها من القوة. السعودية تدخل بثقل سياسي واقتصادي عربي وإسلامي، وبموقع يتحكم في واحدة من أهم دوائر الطاقة والتجارة العالمية، وبقوات مسلحة حديثة راكمت خبرات عملياتية مهمة، فضلاً عن مشروع متسارع لتوطين الصناعات العسكرية. كما أن حماية الاستقرار بالنسبة إلى الرياض ليست قضية أمنية منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها ضرورة لحماية مشروع تحولي وتنموي ضخم، ولذلك يصبح منع الحرب جزءاً من حماية التنمية نفسها.
أما تركيا، فتضيف ثقلاً عسكرياً وصناعياً مختلفاً، وخبرة واسعة في تطوير منظومات الدفاع والطائرات المسيّرة والذخائر والتقنيات العسكرية الحديثة، فضلاً عن خبرة مؤسسية اكتسبتها قواتها المسلحة عبر عقود.
وتأتي باكستان بالضلع الثالث: قوة عسكرية كبيرة، وتجربة عملياتية ممتدة، وقدرات استراتيجية متقدمة، فضلاً عن موقع جغرافي يصل الشرق الأوسط بجنوب آسيا. لكن قيمة الاتفاقية لن تُقاس بعدد الجنود أو الطائرات التي تمتلكها الدول الثلاث. الاختبار الحقيقي سيكون في قدرتها على تحويل عناصر القوة المتفرقة إلى قدرة مشتركة قابلة للعمل: تدريبات منتظمة، توافق في العقيدة العملياتية، تنسيق استخباراتي، دفاع جوي وصاروخي أكثر تكاملاً، ومشروعات تصنيع وتطوير مشتركة. فالتحالفات لا تصنعها البيانات؛ تصنعها المؤسسات والجاهزية والمصالح التي يصبح الدفاع عنها مسؤولية مشتركة.
وهنا تظهر الدلالة الأوسع للاتفاقية بالنسبة إلى المنطقة. فالشرق الأوسط عانى طويلاً من خلل سمح لقوى غير دولية وميليشيات مسلحة باستخدام الصواريخ والمسيّرات وتهديد الملاحة والمنشآت المدنية باعتبارها أدوات تفاوض سياسي. وكلما كانت كلفة مثل هذا السلوك منخفضة، أصبح تكراره أكثر احتمالاً. أما عندما ترتفع كلفة العدوان، تتسع مساحة السياسة والدبلوماسية. وقد يكون من المبكر الحديث عن توسعة الاتفاقية، لكن نجاح النموذج الثلاثي يمكن أن يفتح مستقبلاً الباب أمام ترتيبات تعاون أوسع، إذا وجدت دول أخرى أن مصالحها الأمنية تلتقي مع مبادئه. والأهم ألا يتحول التوسع إلى غاية بذاته؛ فقيمة أي منظومة دفاعية تأتي من فاعليتها وتماسكها، لا من عدد الأعلام الموجودة حول طاولة الاجتماعات.
من مكة إذاً خرجت رسالة تبدو عسكرية في ظاهرها، لكنها سياسية في مقصدها: المنطقة لا تحتاج إلى حرب أخرى، بل إلى ميزان يجعل الحرب أقل احتمالاً.. فالقوة حين تُستخدم بحكمة ليست نقيضاً للسلام، بل قد تكون ضمانته. ومن يريد حماية التنمية يحتاج إلى الاستقرار، ومن يريد الاستقرار يحتاج إلى ردع مقنع. تلك ربما تكون المعادلة الأكثر أهمية التي تحملها «اتفاقية مكة»: يدٌ قادرة على حماية السيادة، وأخرى تظل ممدودة للسلام.

