: آخر تحديث

حين يتحول عمر المرأة إلى تهمة!

2
2
2

سمر المقرن

كلما طُرح الحديث عن فارق العمر في الزواج، اتجهت كثير من الأصوات إلى تكرار نموذج واحد، وكأن الحياة لا تعرف سواه رجل أكبر وامرأة أصغر. ثم يُستدعى الخطاب الديني بالطريقة نفسها، فتُذكر زيجات النبي -عليه الصلاة والسلام- من زوجاته الأصغر سنًا، بينما يغيب عن النقاش أن أولى زوجاته، السيدة خديجة -رضي الله عنها-، كانت أكبر منه سنًا، وأن هذا الزواج كان بداية أعظم قصة شراكة عرفها التاريخ الإسلامي.

وبعيدًا عن الجدل التاريخي حول عمر السيدة عائشة -رضي الله عنها- عند الزواج، وهو موضوع تعددت فيه الروايات وظهرت بشأنه قراءات وبحوث مختلفة، فإن الثابت الذي لا خلاف عليه هو أن السيدة خديجة -رضي الله عنها- كانت أكبر من النبي- عليه الصلاة والسلام-، وأن هذا الفارق العمري لم يكن عائقًا أمام علاقة قامت على الاحترام والثقة والدعم المتبادل، حتى أصبحت نموذجًا خالدًا للشراكة الإنسانية.

المشكلة ليست في فارق العمر بحد ذاته، بل في الانتقائية التي يتعامل بها بعضهم مع النماذج التي يختارون إبرازها، فحين يكون الرجل أكبر يصبح الأمر طبيعيًا ومقبولًا، أما إذا كانت المرأة هي الأكبر، تبدأ الأسئلة والاعتراضات وكأن العلاقة خرجت عن المألوف، مع أنها لا تخرج عن المنطق ولا عن التجربة الإنسانية.

الواقع اليوم يؤكد أن كثيرًا من الرجال يرتبطون بنساء أكبر منهم سنًا، ليس بدافع المصلحة أو الطمع كما يختزل بعضهم، وإنما لأن العلاقات الإنسانية أعقد وأعمق من أن تُفسَّر بهذه السهولة، فهناك من يجد في المرأة الأكبر نضجًا فكريًا واتزانًا نفسيًا وعمقًا وجدانيًا، وقدرة على الحوار والشراكة، وهي صفات قد تكون هي العنصر الحاسم في نجاح العلاقة، أكثر من عدد السنوات المكتوبة في بطاقة الهوية.

إن الزواج في جوهره ليس منافسة بين الأعمار، بل لقاء بين روحين وانسجام بين عقلين، وقدرة على بناء حياة مشتركة، فكم من زواج جمع شخصين متقاربين في العمر وانتهى سريعًا، وكم من علاقة كان بين طرفيها فارق كبير في السن واستمرت سنوات طويلة لأنها قامت على المودة والرحمة والتفاهم.

ربما آن الأوان أن نتوقف عن تحويل العمر إلى معيار للحكم على العلاقات، وأن نعترف بأن الإنسان يختار شريك حياته بقلبه وعقله معًا لا بتقويم الميلاد.

فالنضج لا يُقاس بعدد السنوات، والانسجام لا تصنعه الأرقام، وإنما تصنعه الأرواح حين تجد من يشبهها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد