: آخر تحديث

ضفيرتان وبرميل نفط

2
3
3

سارة النومس

قبل ستة وعشرين عاماً تقريباً، وتحديداً في فترة التسعينات، كانت الحياة مختلفة تماماً. فإذا كانت الحياة تتغير خلال عشر سنوات فقط، فكيف بما يقارب الثلاثين عاماً؟ لن أفضّل جيلاً على جيل، فقد مللنا المقارنات، ومللنا من أولئك الذين يريدون تطبيق طفولتهم ومراهقتهم وشبابهم على جميع الأجيال التي جاءت بعدهم.

في التسعينات كانت الوجبة من المطعم تُعد مكافأة بحد ذاتها. كنا نشعر بسعادة كبيرة عندما نذهب إلى المطعم، أما اليوم فأصبح ذلك جزءاً من روتين الحياة. بل إن العائلات التي تجتمع على طاولة واحدة، أو حتى على (القعدة الأرضية) لتناول الغداء أو العشاء، أصبحت تُعد عائلات مميزة ومترابطة.

كانت التسعينات تضم عدداً محدوداً من المجمعات التجارية المميزة، فلم تكن بالكثرة التي نراها اليوم، ولا بعدد المحال التجارية الحالي. ومع ذلك، كان التلفاز مليئاً بالإعلانات التجارية لتلك المحلات، بأسلوب غنائي جميل لا يزال بعضه عالقاً في ذاكرتنا حتى الآن. نعم، كانت فقرة الإعلانات نفسها جزءاً ممتعاً من تجربة المشاهدة، بينما ندفع اليوم المزيد من المال للحصول على قنوات خالية من الإعلانات.

كانت أغلب البرامج ذات طابع درامي، واليوم أضحك عندما أتساءل: كيف تأثرنا بكل تلك المشاهد الدرامية التي تبدو لنا الآن مبالغاً فيها؟ أما البرامج الكوميدية فكانت قليلة وتعتمد بصورة أكبر على المسرح. وحتى الأغاني والألبومات الغنائية كانت مشبعة بالحزن والطاقة السلبية إلى درجة يصعب علينا تحملها اليوم.

في المقابل، أصبح الناس اليوم يبحثون عما يزيد مستوى السعادة والدوبامين في حياتهم. لم نعد بحاجة إلى ممثلين أو برامج تلفزيونية كما في السابق، فالمقاطع القصيرة لأشخاص لا نعرفهم، يحملون أفكاراً جميلة أو مواقف لطيفة، أصبحت كفيلة بزرع الابتسامة. ومع ذلك، ربما أدت المبالغة في البحث عن السعادة والابتعاد التام عن الدراما إلى شيء من قسوة القلب. حتى أصبحت المقاطع التي يُساعد فيها إنسانٌ إنساناً آخر مقاطع استثنائية تستحق الإعجاب والتصفيق. وكأن الإنسانية، التي كانت أمراً طبيعياً، أصبحت اليوم صفة نادرة يحتفي الناس بوجودها.

أكثر ما أشتاق إليه من التسعينات ضفيرتا شعري. كانت والدتي تصنع لي ضفيرتين، وكنت عندما ينتهي اليوم الدراسي أمسكهما يميناً ويساراً وأركض بكل ما أملك من حماس نحو باب المدرسة. وحتى اليوم، أشعر بفرحة غريبة عندما أرى فتاةً بضفيرتيها. لست من الأشخاص الذين يتمنون عودة الصور والمواقف الجميلة التي عاشوها. لا أتمنى عودتها، بل أحمد الله أنني عشتها وتذوقت جمالها في وقتها.

واليوم هو يوم مختلف عن الأمس، سواء أعجبني ذلك أم لم يعجبني. فأنا أعيش التكنولوجيا التي كانت محدودة في الماضي، وأعيش عادات اجتماعية جديدة كانت تبدو غريبة يوماً ما، ثم أصبحت اليوم من الأمور الطبيعية والرائجة. وأعلم أننا نعيش في هذه المرحلة تحديداً فترة انتقالية على مستوى العالم.

أما ما أخشاه حقاً، فهو أن يتراجع الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية لصالح مصدر جديد يغيّر موازين القوى في العالم. فقد بدأت البشرية بالاعتماد على الطاقة الحيوانية، ثم انتقلت إلى الطاقة الحيوية كالحطب والفحم النباتي وروث الحيوانات، ثم إلى طاقة الرياح والمياه، وبعدها جاء الفحم ليقود الثورة الصناعية، ثم النفط والغاز اللذان شكّلا عالمنا الحديث. فإذا كان الفحم قد صنع الثورة الصناعية، والنفط قد أعاد رسم خريطة العالم، فما الطاقة المقبلة التي ستكتب الفصل التالي من تاريخ البشرية؟!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد