كما كانت «سيرة الزير سالم» تشتهر في اليمن، واشتهرت في مصر حكايات أبوزيد الهلالي، والسيرة الهلالية، والنداهة، وأمنا الغولة، وأبورجل مسلوخة. كما يرزخ تاريخ بريطانيا، التي حكمت يوما ثلاثة أرباع اليابسة، وكل مياه البحار، بكم كبير من الأساطير والحكايات الشعبية، منها قصة الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة، وروبن هود، والملك كانوت الذي أمر بمنع ارتفاع المد، وجميعها تقريبا مزجت الحقيقة بالخيال، وهذه، في أحيان كثيرة، تُشوش الحقائق التاريخية الفعلية، وتُثير الحيرة.
من أكثر الأساطير البريطانية إثارة وإنتشاراً، خاصة على وسائل التواصل، ولأسباب معروفة، أسطورة «الليدي غوديفا»، والتي تمثل قمة التضحية النبيلة، والمقاومة السلمية، والتي طالما استولت على خيال العامة، خاصة الرجال، لقرون عدة. وهي قصةٌ تمزج بين الحقائق التاريخية والزخارف الإبداعية.
تقول الأسطورة: إن الليدي غوديفا انزعجت من الضرائب الباهظة التي فرضها زوجها الحاكم، خلال القرن الـ11، على أهالي كوفنتري، التي أصبحت تالياً مقرا لكبير أساقفة الكنيسة الإنجليزية.
رضخ الزوج أخيراً لتوسلات زوجته، شريطة قبولها أن تجوب شوارع «كوفنتري»، عارية، تماماً على ظهر حصان. قبلت غوديفا التحدي، ودفعها ذكاؤها لأن تصدر مرسومًا يقضي ببقاء جميع المواطنين في منازلهم، في ساعة محددة، وإغلاق نوافذهم في ذلك اليوم. ثم امتطت حصانها، عارية إلا من شعرها الطويل الشهير الذي غطى جسدها، وبدأت تجوب شوارع المدينة، ضمن جو صامت تماماً. أُعجب زوجها بذكائها وشجاعتها، وإخلاصها لشعبها، وأوفى بوعده وألغى الضرائب الباهظة عنهم.
نتج عن تلك الأسطورة لاحقاً شخصيات أخرى بقيت راسخة في الذاكرة حتى اليوم، منها شخصية «توم المتلصص»، الذي كان خياطاً، الذي لم يستطع، على عكس أهل بلدته، مقاومة النظر إلى السيدة غوديفا الجميلة، وهي عارية، وكيف أدى ذلك لإصابته بالعمى، بسبب سوء فعلته.
لا يوجد في السجلات التاريخية ما يؤكد صحة الرواية، بالرغم من صحة شخوصها. فأول رواية مكتوبة عن قيام الليدي غوديفا، بالظهور عارية تماماً، ظهرت في سجلات «روجر من ويندوفر»، وهو راهب في دير سانت ألبانز، عاش بعد غوديفا بمئات السنين. لكن كوفنتري لا تزال تحتفل بارتباطها بالليدي غوديفا من خلال التماثيل والاحتفالات والمواكب السنوية، مُظهرةً فخرها المدني بامرأةٍ يبدو أنها كانت شخصية تاريخية بارزة. وبغض النظر عما إذا كانت قد قامت برحلتها الشهيرة أم لا، فقد كانت سيدة قويةً استمر إرثها الخيري حتى في خضم اضطرابات الغزو النورماندي، الفرنسي.
* * *
استغل صانع شوكولاتة بلجيكي شهرة اسم «غوديفا» وأطلقه على أحد منتجاته، وكان ذلك قبل 200 عام بالتمام. توسع المصنع منذ يومها وأصبحت منتجاته تصنع في دول عدة، منها تركيا، التي استحوذ تالياً صاحب مصنع فيها، على كامل ملكية شركة غوديفا.
أحمد الصراف

