وسط حرائق المنطقة ومحاولات توسيع الحرب ظهرت نقطة ضوء في نهاية النفق، جاءت مع الانتقال إلى المرحلة الثانية من رؤية مجلس السلام لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
فجأة انتقل الحديث من وقف إطلاق النار إلى اليوم التالي، من الصواريخ إلى السلاح، من الميدان إلى الإدارة، من الدمار إلى الإعمار، ومن الهدنة إلى السياسة، ووصف الرئيس دونالد ترمب الاتفاق بأنه «اتفاق تاريخي».
دخلت الخطة مرحلتها الثانية ضمن الإطار الذي أرساه قرار مجلس الأمن رقم «2803» الصادر في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، فقد أيد القرار الخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، ورحّب بمجلس السلام بصفته هيئة انتقالية للإشراف على إدارة المرحلة المقبلة، وأجاز إنشاء قوة استقرار دولية مؤقتة، وربط المرحلة الانتقالية بإدارة فلسطينية تكنوقراطية، تمهيداً لمسار سياسي موثوق يقود، بعد استكمال الالتزامات والإصلاحات، إلى تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية.
حملت المرحلة الثانية معادلة واضحة تتمثل في سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد، ووضعت حصر السلاح وتخزينه وتفكيك البنية العسكرية داخل إطار للتحقق الدولي، مع تدمير الأنفاق، وإغلاق مواقع إنتاج السلاح ومستودعات الذخيرة، وإعادة بناء جهاز الشرطة على أسس جديدة، لتتولى قوة فلسطينية مدربة مسؤولية حفظ الأمن داخل القطاع.
تحركت الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها «حماس»، داخل المعادلة الجديدة، وأبدت موافقتها على خريطة الطريق، مع تمسكها بترابط الخطوات والتزامات الأطراف، وربطت إجراءات نزع السلاح باستكمال الالتزامات المتبادلة، ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، وفتح المعابر، واستمرار الانسحاب الإسرائيلي، ووجود أفق سياسي يقود إلى الدولة الفلسطينية.
وهكذا برزت صيغة «الخطوة مقابل الخطوة»، انسحاب تدريجي يقابله تنفيذ تدريجي للترتيبات الأمنية، تحت رقابة دولية.
هنا تحرك الوسطاء، مصر وقطر وتركيا والولايات المتحدة، واجتمعت أدوارهم حول هدف واحد، تثبيت الاتفاق، وحماية التفاهمات، وضمان انتقالها من الورق إلى الميدان، وهو الدور الذي نوه به قرار مجلس الأمن عند الإشارة إلى جهود الدول الضامنة.
دخلت مهلة الأربعة عشر يوماً المشهد، وتبدأ بعد اعتماد خريطة الطريق من الأطراف المعنية، وخلالها توضع الجداول الزمنية وآليات التنفيذ، وتحدد مناطق الانسحاب، وترتب عملية دخول اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار، وتنظم إجراءات حصر السلاح والتحقق الدولي، ثم يبدأ الاختبار الأصعب، اختبار الأرض، واختبار النيات، واختبار قدرة الجميع على تحويل التعهدات إلى واقع.
وفي قلب الخطة برزت اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بإدارة مدنية فلسطينية تكنوقراطية تتولى الخدمات والشؤون اليومية، وتعمل ضمن المرحلة الانتقالية، تمهيداً لعودة السلطة الفلسطينية بعد استكمال متطلبات الإصلاح، بينما يخرج السلاح من الإدارة، ويبتعد العمل العسكري عن الحياة المدنية، ويصبح الفصل بين السلطة والسلاح أساساً لبناء مرحلة جديدة.
ثم يأتي الإعمار، غزة تحتاج إلى البيوت، والمدارس، والمستشفيات، والمياه، والكهرباء، والطرق، وفرص العمل، وتحتاج إلى حياة تستعيد معناها، ولهذا يرتبط الإعمار بالأمن، ويرتبط الأمن بالاستقرار، ويرتبط الاستقرار بالاقتصاد، ويرتبط الاقتصاد بقدرة الناس على استعادة حياتهم.
ومن هنا جاء الترحيب العربي، حيث دعمت جامعة الدول العربية الانتقال إلى المرحلة الثانية، ورحّبت بجهود الوسطاء، وشدّدت على إدخال المساعدات، والتعافي، وإعادة الإعمار، ورفض التهجير، وربط الترتيبات الأمنية بمسار سياسي شامل، كما رحّبت المملكة العربية السعودية بالمرحلة الجديدة، وأكدت، عبر بيان لوزارة الخارجية، أهمية تثبيت وقف إطلاق النار، ووحدة غزة والضفة، وعودة السلطة الفلسطينية، وصولاً إلى الدولة الفلسطينية المستقلة، بينما دعمت بقية الدول العربية المسار السياسي وجهود إعادة الإعمار.
هنا تتجاوز الحكاية حدود غزة، فلسطين ظلت طوال عقود في قلب صراعات المنطقة، استخدمتها قوى إقليمية لتعزيز نفوذها، ورفعتها تنظيمات شعاراً للمقاومة، وتحولت في محطات كثيرة إلى وقود لصراعات أوسع، لذلك يحمل قيام الدولة الفلسطينية معنى يتجاوز الفلسطينيين والإسرائيليين، ويعيد تشكيل البيئة الإقليمية التي غذت الصراع سنوات طويلة.
وعلى المستوى الإقليمي، وظفت إيران القضية الفلسطينية خلال سنوات الصراع، ضمن أدوات حضورها الإقليمي، وخطابها السياسي، ودعمت قوى مسلحة، وربطت جزءاً من نفوذها باستمرار المواجهة مع إسرائيل، ومن ثم، فإن انتقال القضية الفلسطينية من ساحة حرب إلى مسار سياسي ودولة مستقلة، قد يعيد ترتيب قيمة هذه الورقة، ويؤثر في توازنات النفوذ الإقليمي.
هنا تكمن أهمية المرحلة الثانية، فهي تتجاوز نزع السلاح، وتتجه نحو إعادة تشكيل غزة، تبدأ من الأمن، وتمر بالإدارة، وتصل إلى الإعمار، ثم تفتح الباب أمام السياسة، من الفوضى إلى الدولة، ومن السلاح إلى القانون، ومن الدمار إلى الحياة.
فلسطين ما زالت جمرة تحت كومة القش، لكن الطريق الجديد يفتح نافذة مختلفة، نافذة تضع نهاية الحرب داخل مسار أوسع، يعيد القضية إلى أصلها، ويضع الدولة الفلسطينية في نهاية الطريق.
عندها تتحول غزة من شرارة تشعل المنطقة إلى نقطة بداية لسلام أوسع، وتتحول الجمرة التي أحرقت أجيالاً إلى نار تخبو، وتبدأ المنطقة في كتابة فصل جديد، يخرج فيه الفلسطيني من دائرة الحرب إلى الدولة، ويخرج الشرق الأوسط من منطق الصراع المفتوح إلى منطق التسوية، ويبقى السؤال: هل تستطيع المرحلة الثانية تحويل نقطة الضوء إلى فجر كامل؟

