متى كان آخر صراع أدبي وقعت أعينكم عليه، تلك الصراعات التي تحدث بين عمالقة في الأدب تهز الساحة الثقافية وتجعل الناس تفكر الحق مع من؟
هل اختفاء هذه الصراعات دليل صحة المجتمع والساحة الثقافية، أم دليل فقد الشغف والاهتمام بالمسائل الأدبية والثقافية، أم دليل تراجع أهمية المثقفين وتأثيرهم على المجتمع؟
كانت آخر المعارك عندنا بين مناصري الحداثة وأعدائها، كانت هناك صحف ومجلات كبيرة مع، وصحف ومجلات ضد، كان ذلك في الثمانينات.
في نهاية التسعينات وبداية الألفين حين انتشرت المنتديات الإلكترونية انتقل النقاش والمعارك إليها، كان لا يزال هناك بقية حياة، وكانت هناك حوارات ومعارك ثقافية وأدبية، ربما أقل صخبا من المعارك السابقة ويقتصر متابعيها على المشاركين في المنتدى، لكن كان لا يزال هناك نبض.
ما الذي حدث؟ هل توارى الأدب عن الحياة العامة إلى هذه الدرجة، أم أن الأدباء أصبحوا أكثر نضجا، أم انشغلوا بأمور أهم؟
حين سألت الذكاء الاصطناعي كان جوابه الأول أن السبب هو تراجع النقد الحقيقي واستبداله بالنقد المجامل والمهادن. هل هذه الإجابة مقنعة؟ دائما يردد المبدعون أن النقد اختفى، أو أن النقاد لا يقرأون ولا يتابعون، وأنهم مشغولون بالنظريات والأفكار أكثر من انشغالهم بالعملية الإبداعية على أرض الواقع، ولا نكاد نجد ردا من النقاد، هل ترفعهم عن الرد صحي؟ هذا ما يجب أن يحدث، وهذا دليل تطور وإقلاع عما لا يهم إلى ما يهم.
هل السبب هو منصات التواصل الاجتماعي الجديدة التي جعلت الأدباء أكثر انشغالا بطرح يجمع متابعين أكثر، طرح أكثر خفة وفردية، بعيدا عن مناقشة الأدب بجدية وبعمق أكثر؟ لست مقتنعة تماما بهذا السبب، لأن الخلافات دائما تحمل متابعين أكثر، يعرف ذلك الذين يناقشون الأمور السياسية، أو أصحاب الفضائح الاجتماعية.
هل الأدباء أصبحوا أكثر هدوءا لأن الكون لم يعد يحتمل صراعات أكثر، أم لأن الصراعات الأخرى استنزفتهم فلم يعد لديهم القدرة على خوض صراعات أدبية يشعلونها بأنفسهم، أم هو الخوف من الملاحقات القضائية التي صارت بالمرصاد لأي تعدّ؟ وهل يمكن أن تعتبر الصراعات الأدبية في الماضي تعديا؟ هل كان الأدباء يتجاوزون النقاش في الأدب إلى أمور أخرى تحسب في باب التعدي؟
لم يعد أحد يهتم بالأدب، حتى المشتغلين بالأدب. هذا سؤال آخر ينبع من السؤال الأول، انحسار دور المثقف والأديب ليس إجابة على اختفاء الصراعات، المثقف هو الذي توارى وانعزل، لم يعد مؤمنا بدوره أو أهميته. هل هذه هي الحقيقة أم هناك حقائق أخرى؟ هل أسئلتي مشروعة؟ هل يتفق معي الأدباء أم أنهم لا يأبهون بهذا النوع من الأسئلة أو محاولة الإجابة عليها؟

