: آخر تحديث

المهنية والحياد في العلاج النفسي

3
2
2

تخيل أن تدخل غرفة عمليات بعظمة مكسورة، فيكتفي الطبيب بتقديم خطبة وعظية عن سوء حظك، أو بتبادل أحاديث ودية حول أسباب سقطتك، دون أن يلمس موضع الجرح أو يضع الجبيرة! يبدو المشهد عبثياً، لكن هذا العبث بعينه هو ما يحدث عندما تُسلب الرعاية النفسية والاجتماعية من سياقها العلمي لتتحول إلى مجرد حديث مجالس، أو منصة لإطلاق الأحكام الأخلاقية والمجتمعية. إن الجلسة العلاجية ليست جلسة سمر لتبادل الآراء العفوية، بل هي مساحة إنسانية شديدة الحساسية، يُبنى فيها التعافي على ركيزتين لا تصمد إحداهما دون الأخرى: المهنية الصارمة، والحياد المطلق.

يمثل الأخصائي الاجتماعي والأخصائي النفسي خط الدفاع الأول لمواجهة الاضطرابات النفسية والمشكلات الاجتماعية المعقدة. ودورهما الطبيعي لا يتأسس على تعاطف مجرد أو ود عابر، بل على أدوات تشخيصية ومنهجيات علمية رصينة كالعلاج المعرفي السلوكي والتدخلات الاجتماعية المنظمة. إن طالب الخدمة العلاجية الذي يطرق باب العيادة يحمل في جراحه ثقلاً لا تفككه العبارات الشعبوية المكررة، ولا تجديه النظريات الوعظية المستهلكة التي شبع من سماعها في محيطه اليومي. هو يبحث عن تفكيك علمي لمشكلته، وعن رؤية متخصصة تمنحه خطة عمل واضحة وصريحة للتعافي والتكيف.

ولكي تكتمل هذه الرؤية، يجب أن تظل العلاقة بين المعالج وطالب الخدمة علاقة مهنية بحتة. فالمعالج ليس صديقاً مقرباً يتبادل أطراف الحديث، كما أنه قطعاً ليس شرطياً يستجوب، ولا محققاً ينقب عن السقطات، ولا قاضياً يجلس على منصة القضاء ليوزع صكوك الغفران أو الإدانة. إن تحويل الجلسة إلى غرفة تحقيق أو منصة محاكمة يزرع الخوف ويقيم أسواراً دفاعية لدى طالب الخدمة تؤدي إلى إخفاء الحقيقة وتفاقم المعاناة. ومن هنا تبرز أهمية "الحياد العلاجي"؛ كتوانٍ إرادي من المعالج عن إسقاط توقعاته الشخصية، والتجرد التام من تحيزاته المبنية على العادات الموروثة أو الثقافات المجتمعية السائدة. المعالج المحايد ينظر إلى الحالة بعين العالم المتجرد، لا بعين المجتمع المحاكم.

لهذا الحياد أثر ملموس ومثبت في رفع جودة الخدمة العلاجية وتأثيرها، فقد أكدت مراجعة منهجية حديثة صادرة عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) بالتعاون مع مراكز البحوث النفسية بجامعة هارفارد، أن "التحالف العلاجي" (Therapeutic Alliance) الذي يقوم على التقبل غير المشروط والحياد الأخلاقي يرفع نسب الالتزام بالخطة العلاجية وتحسن الحالات بنسبة تتجاوز 42%. في المقابل، أظهرت الإحصائيات أن انحياز المعالج وثقافته الذاتية أو ممارسته للوعظ المباشر تتسبب في ارتفاع معدلات التسرب والتوقف المبكر عن العلاج بنسبة تصل إلى 47%، نظرًا لشعور المريض بالوصمة والتهديد الأخلاقي داخل الجلسة.

إن الحياد العلاجي ليس تنصلاً من المبادئ الاجتماعية، ولا انسلاخاً من القيم الدينية كما يحاول بعض المشككين الترويج له؛ بل هو ذروة الممارسة المهنية والأخلاقية. إنه الاحترام الأعلى لكرامة الإنسان وحريته في فهم ذاته، وإتاحة الفرصة له ليعيد ترتيب أفكاره في بيئة خالية من التهديد والوصم. المعالج المحايد لا يغيّب القيم، بل يتركها للمريض ليعالجها ضمن سياقه الخاص، بينما يتفرغ هو لاستخدام المشرط العلمي ببراعة وأمان.

العلاج النفسي والاجتماعي ليس مجرد كلام، بل هو "صناعة أمل وفق قواعد العلم". يقول عالم النفس كارل روجرز عن فلسفة هذا الحياد والتقبل: "المفارقة الغريبة هي أنني عندما أتقبل نفسي كما هي تماماً، فإنني أستطيع حينها فقط أن أتغير"، وهذا التقبل المنشود لن يبصر النور إلا إذا أدركنا جميعاً أن غرفة العلاج هي ملاذ للتعافي والتحليل العلمي، وليست منصة لإصدار الأحكام أو ترديد أهواء المجالس.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد