وسط أجواء الترحيب الإقليمي والدولي الواسع بـ "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، خرجت بعض الأصوات النشاز لتشويه هذا الإنجاز الاستراتيجي بأساليب رخيصة تنمّ عن سطحية في الفهم السياسي، وتعامٍ عن واقع التحولات الكبرى، وعدم إدراك لثقل الدول الموقعة على الاتفاقية.
والأشد غرابة أن تتناغم هذه الطروحات المأجورة مع كتابات تصدر عن أطراف محسوبة على المنطقة، تصف الاتفاقية بألفاظ صبيانية تحاول تجريد الاتفاقية من صلابتها وأبعادها الاستراتيجية. غير أن من يعرف المنطق الجيوسياسي لهذه المبادرة الاستثنائية يدرك تماماً أن سياسات هذه الدول لم تكن يوماً قائمة على التكتلات الشكلية العابرة، بل على بناء المنظومات التكاملية التي ترسخ الأمن وتخدم الاستقرار العربي والإسلامي.
هذه الاتفاقية لم تكن وليدة لحظة أو انفعال طارئ، بل جاءت تتويجاً لترتيبات وتنسيقات عالية المستوى استمرت على مدار عام كامل من العمل الدبلوماسي والاستخباري الدؤوب. فنظرة تحليليّة للتحالف الذي يجمع السعودية وتركيا وباكستان بجوار بيت الله الحرام تُبرز حجماً متكاملاً من القدرات السياسية، والاقتصادية، والتصنيعية، والعسكرية، فضلاً عن وجود قيادات هذه الدول على رأس المبادرة؛ لتكون الرسالة واضحة لا لبس فيها بأنه تحرك تحت مظلة القانون الدولي، يهدف إلى ترسيخ السلام وحفظ الاستقرار وقطع الطريق على أي مشاريع تهدف إلى تأزيم المنطقة أو ارتهان أمنها.
ولمن غابت عنه الذاكرة السياسية من أصحاب تلك الأقلام والأصوات، فإن مراجعة سريعة لسجل المبادئ السعودية تكشف عمق هذا الثقل ورسوخه عبر التاريخ والمواقف. ويبرز ذلك جلياً في مواقف المملكة المشهودة إبان غزو الكويت، حيث وقفت السعودية سداً منيعاً وقادت حشداً دولياً لإعادة الحق لأهله، وصولاً إلى استجابتها الحاسمة لمملكة البحرين الشقيقة في أحداث 2011 ودعم استقرارها وأمنها عبر دخول قوات درع الجزيرة للذود عن المنامة وصون مؤسساتها الوطنية.
كما تتجلى هذه السياسة الحكيمة في الجهود الدؤوبة التي قادتها السعودية لإعادة سوريا إلى حضنها العربي وتخليصها من الطغيان والدمار ومساعيها في رفع العقوبات عنها، إلى جانب الدور السعودي التاريخي والمستمر في دعم استقرار لبنان ومؤسساته الوطنية لضمان سيادته وعروبته، ودعم الشرعية والاستقرار في اليمن والسودان. يضاف إلى ذلك الموقف السعودي الصلب وغير القابل للمساومة تجاه القضية الفلسطينية، بالتمسك بالحقوق المشروعة وإقامة الدولة الفلسطينية، رغم كل الضغوطات والموازنات الدولية.
ولذا، فإن محاولة النيل من "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" عبر تحليلات تفتقر للحد الأدنى من النزاهة والعمق، لا تعكس سوى حالة من العجز عن قراءة التحولات الكبرى. فالسعودية، بوزنها الاقتصادي والاستراتيجي وجرأتها السياسية، حين تلتقي مع الثقل العسكري والتصنيعي لباكستان وتركيا عبر مخطط استراتيجي نُسّق له بعناية، لا تُقيم مجرد تحالف ظرفي، بل تؤسس لـ معادلة ردع استراتيجية جديدة تُنهي حقبة الاتكال الأمني الكامل وتضع مقدرات المنطقة بأيدي أبنائها. لم تكن السعودية يوماً بانتظار شهادة من مأجوري التحليل؛ فقد اعتادت أن تصنع التاريخ بقراراتها السيادية، بينما يكتفي الآخرون بالتعليق على الهامش.


