: آخر تحديث

ربَاطُ الْخَيْلِ

2
1
2

قال الله تعالى في سورة الأنفال، الآية 60: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ)، وهُنا يتّخذ الإسلام للنصرِ العدّة الواقعية، التي تضمن -بإرادة الله- الحفاظ على أمن الأنفسِ، وحماية الممتلكات، والاستقرار.

ولا يُمكن ذلك إلا بتأمين أرضٍ صلبة تطمئن عليها الأقدام.

وإعداد القوة هنا -يعني فيما يعنيه- حدود الطاقة.

وفي هذا المعرض يقول ابن عاشور في تفسيره للآية الكريمة إنّ الإعداد هو التّهيئة والإحضارُ، وكل ما يدخل تحت قدرة النّاس اتّخاذه من العدَّة، والخطاب لجماعة المسلمين وولاة الأمر منهم؛ لأن ما يُراد من الجماعة إنما يقوم بتنفيذه ولاة الأمور الذين هم وكلاء الأمة على مصالحها.

ويقول إنَّ القوة تعني شدة التأثير، فقوة الجيش شدة وقعه على العدو، وقوته أيضًا سلاحه وعتاده، وهو المُراد هُنا، اتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال من القوة في جيوش العصور الماضية، واتخاذ الدبابات والمدافع والطائرات والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا (انتهى كلام ابن عاشور).

والدول التي تعي ما لها وما عليها، وتحمل مسؤولية أهلها وبنيها، تُدرك أنّ القوّة أمرٌ لا مناص منه في عالمٍ اتّخذ من القوة هيمنةً. وبهذا جاءت اتفاقية مكة المكرمة للردع المُشترك؛ التي تعكس حرص الدول المُوقعة على تعزيز أمنها، وتحقيق الأمن والسلم والاستقرار في المنطقة والعالم، سعيًا لمستقبلٍ آمنٍ ومُزدهر.

وجعلت من الردع مبدأ، وأنّ العدوان لا محلَّ له، وأنّ القوّة مصدرٌ من مصادر الأمن، وهذا ما توحي به الآية الكريمة، وما تأمر به من إعدادِ قوّة. وبقراءةٍ لهذه الاتفاقية، نجدُ أنّها تتكئُ على مبادئ ذاتِ قِيَمٍ، وتحمل رسالاتٍ ورؤى، فالمكانُ مكّة المُكرمة، بجوار بيت الله، الحرم الآمن، والزمان يوم الجمعة، أفضل أيام الله، والموقعون ولاة أمرٍ مسلمين، يسعونَ للحفاظ على أمنِ بلدانهم، واستقرارها، والحفاظ على ممتلكاتها، وتأمين رفاهيتها.

وولاة الأمرِ يُمثلون دولاً ذات عُمقٍ استراتيجيّ، ينظرُ إليه العالم الإسلاميّ، بمناظيرَ ذات أبعادٍ وتطلعات، فها هي المملكة العربية السعودية، بلد الحرمين الشريفين، ومهبطُ الوحي، وقبلة المسلمين في صلواتهم يأتون إليها من كل فجٍ عميق، وجمهورية تركيا ودولة باكستان، وهاتان الدولتان لهما مكانتهما في نفوس المسلمين، وما يمثله موقعهما الجغرافيّ ومكانتهما التاريخية.

فاتفاقية مكة المكرمة تُتيح لهذه الدول المُوقِّعة على الاتفاقية تطوير القدرات الدفاعية، والردع الاستراتيجيّ، ورفع الجاهزية، والعمل على تطوير القدرات الدفاعيّة، وهذا ما ترمي إليه الآية الكريمة (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ)؛ ليتحقق -بإذن الله- الردعُ، وهذا هو المبدأ الذي بُنيت عليه اتفاقية مكة المكرمة للدفاع المُشترك.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد