: آخر تحديث
بعد الاعتداء على مهجري سري كانيي/ رأس العين:

هل تقدم دمشق الجناة إلى القضاء؟

3
3
2

لقد مرت سبع سنوات كاملة على اقتلاع أهالي سري كانيي - رأس العين من مدينتهم وبيوتهم وأراضيهم بعد دخول تركيا والفصائل المسلحة إليها عام 2019. إنها سبع سنوات مريرة، عاش خلالها أهل المدينة وبعض ريفها موزعين في مدن الجزيرة السورية وإقليم كردستان، وتركيا، وأوروبا، وأميركا، ودول أخرى وصلت إليها عائلات حملت معها مفاتيح بيوت بقيت وراءها، فيما توفي الآلاف من أبناء المنطقة بعيدًا عنها، وقضى أبرياء من بناتها وبنيها، ليدفنوا أو يضيعوا في براري أو بحار وأنهار قارات العالم، وهم في انتظار يوم يعودون فيه إلى الشارع، والبيت، والحقل، والقرية التي أُخرجوا منها عنوة، وقد حدث كل ذلك أمام أنظار أسرة دولية وعربية وإسلامية وسورية عرفت جرح ومعاناة وقضية هؤلاء، كما عرفت مواقع إقاماتهم وأسماء قراهم وحجم ما أصاب ممتلكاتهم، ثم تتالت السنوات حتى أصبح بقاء صاحب البيت بعيدًا عن بيته واقعًا يوميًا يحتاج في كل مرة إلى من يذكر بأن وراء كل منزل مالكًا، وخلف كل أرض صاحبًا، ووراء كل "دكانة" أو "حقل" عائلة عاشت من دخلهما قبل أن تحمل حقيبة النزوح وتمضي.

وقد يقول أحدهم إن أسرًا جاءت إلى سري كانيي بعدما هجرتها الحرب من مدن سورية أخرى، وهذه قضية تستحق أن تدرسها الدولة السورية بمسؤولية كاملة، إذ إننا نقف ضد اقتلاع الإنسان من منزله أيًا كان اسمه وقوميته ومدينته، إلا أنه إذا كانت مأساة أسرة مهجرة تمنحها حق الحماية والسكن والمساعدة، إلا أنها لا تمنحها ملكية منزل إنسان مهجر آخر، كما أنه إذا كانت خسارة رجل لأرضه في منطقة سورية تمنحه حق المطالبة بأرضه هناك، لكنها لا تمنحه حق الاستيلاء على أرض رجل بريء آخر في سري كانيي، وهنا تظهر مسؤولية سلطات دمشق التي تستطيع فتح ملفات الأسر الموجودة في بيوت المهجرين ومعرفة المدن التي جاءت منها والظروف التي دفعتها إلى الرحيل، ثم العمل على إعادتها إلى مناطقها أو إيجاد حلول قانونية وإنسانية لها، مع إعادة البيت والحقل و"أبواب الرزق" إلى أصحابها، إذ يستطيع الوطن أن يحتضن وينصف مهجرًا مظلومًا، أيًا كان، من دون أن يكون ذلك على حساب أسرة مهجر آخر.

من هنا، فقد كان مطلوبًا من دمشق منذ اللحظة الأولى التي أصبحت فيها مسؤولة عن إدارة البلاد أن تعلن موقفًا واضحًا من حقوق أهالي سري كانيي وعفرين وكري سبي، كما غيرهم من مهجري المدن السورية، وأن تضع عودتهم في صدارة الملفات المرتبطة بالمناطق التي شهدت تهجيرًا واسعًا، خصوصًا أن ملف عفرين تحرك قبل ملف سري كانيي، ووصلت قوافل أهلها تباعًا إلى مدنهم وقراهم، بينما انتظر أهالي سري كانيي أشهرًا إضافية حتى انطلقت القافلة الأولى، وهو تأخير يستحق تفسيرًا سياسيًا وإداريًا واضحًا، لأن حق العودة يرتبط بالمواطن وملكيته وبلدته، ولا ينبغي ربطه بحسابات القوى المسلحة الموجودة في هذه المنطقة أو تلك، كما أن هيمنة قسد السابقة على منطقة سورية لا تمنح أي طرف ذريعة لإبقاء بيت مواطن من سري كانيي أو عفرين أو كري سبي تحت يد شخص آخر دخيل، أو إبقاء أرضه ومحله وممتلكاته خارج تصرفه.

لقد جاءت القافلة الأولى لتكشف منذ ساعاتها الأولى حجم التراجيديا التي تركتها السنوات الماضية، إذ واجه بعض المعتدين المنفلتين عددًا من العائدين بالسلاح والسكاكين، واعتدوا على أشخاص وكسروا آليات وأثاروا حالة من الذعر والخوف لدى أسر قطعت الطريق إلى مدينتها وهي تنتظر الوصول إلى بيوتها، وقد سبق ذلك ظهور منشورات ومقاطع تحريض وتهديدات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من أشخاص أعلنوا مواقفهم وأطلقوا تهديداتهم على الملأ، ولهذا فإن السؤال هنا يوجه مباشرة إلى دمشق وأجهزتها القضائية والأمنية: أين هؤلاء المحرضون اليوم، وأين الذين هددوا العائدين، وأين الذين حملوا السلاح في وجوه الأسر، وأين الذين شاركوا في الاعتداء وتكسير السيارات، ومن يحقق معهم، ومن يسألهم عن أفعالهم؟

إن الدولة التي تعلن فتح طريق العودة تتحمل مسؤولية حماية المواطن المنهك في الطريق وعند لحظة الوصول وبعد دخوله منزله، كما أن من شأن المحكمة هنا أداء وظيفة يعرفها أي مواطن يريد دولة تحكم بالقانون، فالشخص الذي يهدد أسرة عائدة ينبغي أن يخضع للتحقيق، كما أن الشخص الذي يحرض على الكرد، وهو ما بات يتم بسبب أو من دون سبب، باعتبارهم كردًا، ينبغي أن يخضع للقانون، وألا يتم تجاهل ذلك الشخص الذي رفع سلاحًا في وجه صاحب منزل عائد إلى بيته، كي تتم مساءلته أمام القضاء عما ارتكبه من انتهاكات وجرائم، كما ينبغي جمع التسجيلات والمقاطع والشهادات ومعاينة الأضرار وتحديد المشاركين في الاعتداءات فردًا فردًا، ثم إحالة هذه الملفات إلى القضاء، ليعرف السوري، أينما كان، أن الاعتداء على مهجر عائد إلى بيته جريمة لا بد من محاكمة المجرم المعتدي.

وهكذا، فإن ما تعرضت له القافلة يطرح سؤالًا آخر، لا يجوز القفز عليه، وهو يتعلق بدوافع وهويات الذين يصرون على منع أصحاب البيوت من الرجوع. أجل، لا بد من معرفة: من هؤلاء تحديدًا، وما الذي يخيفهم في عودة مالك إلى ملكه، ومن أي المدن جاؤوا وما أوضاعهم الأصلية ولماذا غادروها، وهل هجرهم طرف مسلح ظلمًا، أم ارتبط قسم منهم بفصائل قاتلت في مناطق مختلفة، أم انتمى أفراد منهم إلى جماعات راديكالية، أم جاء آخرون بحثًا عن منزل وأرض وممتلكات وجدوا الطريق إليها مفتوحًا خلال سنوات الفوضى؟ هذه الأسئلة تحتاج تحقيقًا سوريًا رسميًا يحفظ حقوق الأبرياء من الأسر التي وصلت إلى المنطقة تحت ضغط ظروفها، ويحمي في الوقت عينه أهالي سري كانيي من تحويل مأساتهم إلى إقامة مفتوحة لمن استولى على أملاكهم، فالبريء الذي هجرته الحرب يستحق الإنصاف حيث هجرته الحرب، وصاحب بيت سري كانيي يستحق مفتاح بيته.

وقد كشفت الأيام الماضية أيضًا مقدار التحريض الموجه ضد الكرد عبر منصات التواصل، وهو تحريض يحتاج متابعة قانونية جادة قبل أن ينتقل من وسائل التحريض المنفلتة إلى الشوارع، لأن ما جرى مع القافلة قد أظهر حقيقة وجود خطاب التهديد الذي يستظهر به، ويجد من يترجمه ميدانيًا عبر رفع السكين أو البندقية أو من خلال الاعتداء على سيارة، لأن من مسؤولية دمشق أن تقطع هذه الحلقة بالقانون عبر ملاحقة المحرضين والمهددين والمشاركين في الاعتداءات، لأن ترك شخص يعلن تهديده ثم يواصل نشاطه بحرية يشجع، في الوقت ذاته، آخرين على رفع سقف التهديد، بما يرسخ السطو والظلم والاستبداد في أبشع الصور التي لا تليق ببلد نحلم أن يعمه الأمان والسلام والاستقرار.

ولئلا نتغافل عن الحقيقة، فإن زيارة الرئيس نيجيرفان بارزاني ولقاءاته واتصالاته المتعلقة بالملف السوري التي أفرحت سواد السوريين، إلا أنها تسببت في إثارة الذعر والهلع في نفوس المنتمين إلى دوائر بنت تصوراتها على استمرار الواقع الذي نشأ خلال سنوات الحرب، إذ تخشى هذه الدوائر أي تفاهم يفتح ملفات الحقوق والعودة والممتلكات ويضع حدًا لأحلام توسيع دائرة الاستيلاء على بيوت الناس وأراضيهم، وقد أظهرت الجرائم التي ارتكبت في السويداء والساحل قبل ذلك مقدار الكلفة التي تدفعها سوريا عندما تنفلت التعبئة الطائفية أو القوموية من طوق وكوابح القانون، ولذلك فإن معالجة ملف سري كانيي مبكرًا تعد مسؤولية أبعد من مجرد ما تعرضت له قافلة عادت إلى ديارها، فتعرّض بعض أفرادها للاعتداء معطى أوسع عن شكل الدولة التي يريد السوريون أن يعيشوا تحت سلطتها.

اعتمادًا على ذلك، فإن إعادة مهجري سري كانيي تحتاج قرارًا سوريًا واضحًا يبدأ بحماية القوافل ويصل إلى إعادة الملكيات إلى أصحابها ومعالجة أوضاع الأسر الموجودة في منازل المهجرين وإعادة كل أسرة تستطيع العودة إلى مدينتها الأصلية ودراسة حالة كل من تمنعه ظروف حقيقية من الرجوع، كما تحتاج العملية إلى فتح ملفات الأراضي الزراعية والمحال والمواشي والممتلكات التي انتقلت إلى أيدي آخرين خلال السنوات الماضية، لأن العودة التي تنتهي عند مدخل المدينة وتترك صاحب المنزل أمام شخص يحتل منزله تخلق معها دواعي الظلم والفتنة إلى داخل كل شارع وكل قرية، لا سيما أمام إحساس أمثال هؤلاء المعتدين بأنهم أصحاب السلطة التي تسمح لهم بانتهاك حقوق الكردي، بينما هذا الكردي محض دخيل في بيته، وينبغي اجتثاثه والثأر منه!

ولا بد من معرفة أن استعادة الحقوق تشمل الملاحقة القانونية بحق كل من خرب منزلًا استولى عليه في سري كانيي أو تل أبيض - كري سبي - أو عفرين. كل من اقتلع أبواب ونوافذ منزل استولى عليه، واغتصبه، ساطيًا على أثاثه ومحتوياته أو قاطعًا أشجار أرض زراعية تعود إلى صاحبها المهجر. وكل من باع محصولها وانتفع منها خلال سنوات غيابه، إذ ينبغي توثيق هذه الأفعال وتحديد المسؤولين عنها وإلزامهم بإعادة ما يمكن إعادته ودفع قيمة ما أتلفوه أو سرقوه وإحالتهم إلى القضاء بحسب الفعل المرتكب، مع التعامل بصرامة مع من يحاول إتلاف المنزل قبل مغادرته أو تجريده من أبوابه ونوافذه وتجهيزاته أو قطع أشجار البساتين انتقامًا من أصحابه العائدين، وينبغي أن يشمل ذلك سري كانيي وعفرين معًا، وأن تعلن دمشق منذ الآن أن تسليم الممتلكات إلى أصحابها يعني تسليمها، وحفظها، ومحاسبة من نهبها أو خربها، حتى وإن غادرها إلى عنوان آخر، وأن أي تساهل مع هذه الأفعال سيضع صاحب الملك مرة أخرى أمام خسارة صنعتها يد المعتدي، بعد سنوات من التهجير.

ويظل السؤال الأكثر إلحاحًا، السؤال الذي ينبغي أن يصل إلى سلطات دمشق بصيغته المباشرة: هل ستقدم السلطات السورية الذين هددوا مهجري سري كانيي وحرضوا عليهم وشاركوا في الاعتداء على الأسر العائدة إلى المحاكم؟ وهل ستسأل من يمنع مواطنًا سوريًا من دخول منزله عن السند الذي يستند إليه؟ وهل ستفتح ملفات الذين استولوا على الأراضي والمنازل والمحال وتعيد الحقوق إلى أصحابها؟ إن الإجابة العملية تبدأ من أسماء المعتدين الذين ظهروا في المقاطع، ومن التحقيق معهم، ومن حماية القافلة التالية ثم القافلة التي تليها، حتى يستطيع آخر مهجر يريد الرجوع أن يدخل مدينته، من دون سلاح ينتظره، ومن دون شخص يساومه على بيته.

أهالي سري كانيي انتظروا سبع سنوات، وخلال هذه السنوات دفنوا موتاهم بعيدًا عن مقابر مدينتهم، وربوا أطفالهم بعيدًا عن بيوت ولدوا فيها، وتفرقوا في بلدان كثيرة، وقد حان أن تتعامل دمشق مع قضيتهم باعتبارها قضية حقوق وممتلكات وعودة ومحاسبة، وأن تعرف كل أسرة سورية تقيم اليوم في بيت أسرة من سري كانيي أن الدولة ستدرس وضعها وتحمي حقها الإنساني وتبحث عن حل لمشكلتها من دون تحميل صاحب المنزل ثمن تلك المشكلة، وأن يعرف كل من حمل سلاحًا أو سكينًا في وجه عائد أن مكان معالجة فعلته أمام القضاء، وعندها فقط تبدأ سري كانيي باستقبال أهلها تحت سلطة قانون تحمي، من خلاله، صاحب البيت، وتحاسب المعتدي، وهي تعيد إلى المدينة أبناءها الذين طال انتظارهم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.