: آخر تحديث
اللواء الدكتور إسماعيل الموشكي:

سيرة يمنية تختصر مأساة الدولة وحلم استعادتها

8
7
10

ليست قيمة الرجال في عدد المناصب التي شغلوها، ولا في الرتب التي حملوها، ولا في الصور التي التقطت لهم في المراسم الرسمية، وإنما في السؤال الذي يظل حاضرًا بعد رحيلهم: ماذا تركوا للدولة؟ وماذا بقي منهم في ذاكرة الناس؟

وحين يُطرح هذا السؤال على سيرة اللواء الدكتور إسماعيل أحمد علي الموشكي، فإن الإجابة لا تقف عند كونه ضابطًا كبيرًا في الجيش اليمني، ولا عند وصوله إلى مواقع متقدمة في العمليات والأركان، ولا عند حصوله على تأهيل أكاديمي رفيع، وإنما تمتد إلى ما هو أعمق: كان واحدًا من أولئك الرجال الذين جمعت حياتهم بين القوة والمعرفة والمسؤولية الوطنية.

عرف الجيش من الداخل، وعرف الحرب من ساحاتها ومؤسساتها، ورأى كيف يمكن للصراع السياسي أن يمزق المؤسسة العسكرية، ثم عاد، في مرحلة لاحقة، ليدرس علميًا ما تفعله الحروب بالتعليم والإنسان والمعرفة.

وفي سنواته الأخيرة، لم يكن يبحث عن رتبة أخرى، ولا عن سلطة جديدة، بل كان ينشغل بالسؤال الأصعب في اليمن: كيف تتوقف الحرب؟ وكيف تعود الدولة؟

وهنا تحديدًا تكمن أهمية إسماعيل الموشكي. فهو ليس مجرد شخصية عسكرية من الماضي، إنه حالة تستحق أن تُقرأ اليوم، لأن الكثير مما آمن به وما حذر منه تحول إلى جوهر الأزمة اليمنية الراهنة.

رجل من مدرسة الدولة

ظهر الموشكي في واحدة من أكثر مراحل اليمن حساسية، حين كانت المؤسسة العسكرية تعبر مرحلة انقسام وإعادة هيكلة بعد أحداث 2011. وفي عام 2012 كان يشغل منصب رئيس عمليات قوات الحرس الجمهوري، وهو موقع لا يصل إليه ضابط عادي، ولا يُفهم باعتباره رتبة بروتوكولية. فالعمليات هي عقل القوة العسكرية، فيها تتحول التوجيهات إلى خطط، وفيها تُقاس الجاهزية، ومنها تُتابع الوحدات والمهام والانتشار والتنفيذ. ومن يعمل في هذا الموقع لا يعيش في هامش المؤسسة، بل في قلبها.

ثم جاءت إعادة هيكلة القوات المسلحة عام 2013، فانتقل الموشكي إلى موقع أكثر اتساعًا ومسؤولية، حين عُيّن رئيسًا لأركان المنطقة العسكرية الخامسة. وكان هذا التعيين جزءًا من محاولة إعادة بناء الجيش اليمني على أسس جديدة، بعد سنوات من الانقسامات والصراعات ومراكز النفوذ.

ومن هنا، فإن موقعه لم يكن مجرد انتقال وظيفي، وإنما وضعه في قلب مشروع سياسي وعسكري أكبر: هل يمكن تحويل الجيش من شبكة ولاءات إلى مؤسسة دولة؟ كان هذا هو السؤال الحقيقي الذي واجه المؤسسة العسكرية اليمنية، وكان الموشكي واحدًا ممن شغلوا مواقعهم في قلب هذا الامتحان.

الرتبة لم تكن كافية

كان يمكن له أن يبقى ضابطًا كبيرًا، وأن يكتفي بموقعه وخبرته الميدانية، لكنه اختار طريقًا آخر. واصل التأهيل العسكري والأكاديمي، وظهر في الأكاديمية العسكرية العليا في عام 2013 متحدثًا باسم الخريجين، مؤكدًا أهمية العلم والمعرفة في بناء المؤسسة والدولة.

وهذه اللحظة الصغيرة في ظاهرها تكشف شيئًا كبيرًا في شخصيته. كان يدرك أن السلاح بلا عقل عبء، وأن الرتبة بلا علم قد تصنع سلطة، لكنها لا تصنع دولة، وأن الجيوش الحديثة لا تُبنى بالولاءات الشخصية، بل بالكفاءة والتأهيل والمؤسسات.

لقد كان من مدرسة ترى أن القائد الحقيقي ليس من يرفع صوته، وإنما من يرفع مستوى المؤسسة التي ينتمي إليها. ومن هنا يمكن فهم انتقاله اللاحق إلى البحث العلمي، فلم يكن ذلك خروجًا من عالم العسكرية، بل تطويرًا لفهمه للسلطة والقوة والدولة.

أخطر ما قاله قبل انهيار الدولة

من أهم ما يستحق أن يُخلد في سيرة إسماعيل الموشكي موقفه من حياد المؤسسة العسكرية. ففي أيلول (سبتمبر) 2014، وفي وقت كانت فيه البلاد تمضي بسرعة نحو الانفجار الكبير، تحدث إلى العسكريين مؤكدًا أن القوات المسلحة يجب أن تبقى بعيدة عن الصراعات الحزبية والسياسية، وأن مسؤوليتها هي حماية الوطن وأمنه واستقراره.

قد تبدو هذه الكلمات اليوم بديهية، لكنها لم تكن كذلك في اليمن. فالمرض الأخطر الذي ضرب الدولة اليمنية كان تحويل القوات المسلحة والأجهزة الأمنية من مؤسسات وطنية إلى ساحات نفوذ سياسية وشخصية ومذهبية.

حين يتحول الجندي إلى تابع لحزب، تنهار الدولة. وحين يصبح اللواء العسكري محسوبًا على جماعة، تتآكل الجمهورية. وحين تتحول المؤسسة إلى مراكز ولاء، يصبح الانقسام مسألة وقت.

ومن هنا تبدو رسالة الموشكي شديدة الحداثة، بالرغم من مرور السنوات: الجيش ليس مكانًا لتصفية الصراعات السياسية، بل مؤسسة لحماية الدولة من نتائج تلك الصراعات. وهذه الفكرة وحدها تكفي لتضعه ضمن مدرسة عسكرية وطنية كانت تدرك الخطر قبل أن يصبح كارثة.

ما بين 2014 واليوم: من صدقت رؤيته؟

إذا أردنا إنصاف الرجل، فعلينا ألا نكتفي بمدحه، وإنما أن نقارن فكرته بما حدث بعد ذلك. ماذا جرى في اليمن حين خرج السلاح من إطار الدولة؟

تشظت الجيوش، وتعددت مراكز القيادة، وظهرت تشكيلات حزبية ومناطقية ومذهبية. أصبح لكل طرف علمه وقائده وخطابه وسلاحه. تراجعت الدولة، وصعدت الجماعة. أصبح القرار السيادي موزعًا، وأصبح الجندي اليمني أحيانًا في مواجهة جندي يمني آخر، وكلاهما يعتقد أنه يدافع عن الوطن.

وهنا تصبح كلمات الموشكي أكثر من موقف أخلاقي، تصبح تحذيرًا استراتيجيًا. فالجيش المنقسم لا يحمي الدولة، والجيش المسيّس لا يحمي الديمقراطية، والجيش المذهبي لا يحمي المواطنة، والجيش المرتبط بالأشخاص لا يبني جمهورية.

كان الرجل يدافع، في جوهر الأمر، عن فكرة بسيطة وعظيمة: الدولة هي التي تمتلك الجيش، لا أن يمتلك الجيشُ الدولة، ولا أن تمتلك الجماعاتُ أجزاءً من الجيش.

حين غادر الميدان لم يغادر اليمن

ربما كان أجمل ما في تجربة إسماعيل الموشكي أن انتقاله إلى الحياة الأكاديمية لم يكن انتقالًا إلى عزلة شخصية. لم يترك اليمن خلفه، بل حمل اليمن إلى المختبر البحثي، وذهب ليطرح سؤالًا ربما أكثر قسوة من أسئلة الجبهة: ماذا تفعل الحرب بالإنسان بعد أن تنتهي المعركة؟

درس آثار النزاعات المسلحة على التعليم الفني والتدريب المهني، ودرس الفجوة المعرفية، واهتم بجودة التعليم ومخرجاته، وتعامل مع الحرب ليس باعتبارها أخبارًا عسكرية فقط، بل باعتبارها قوة تدمير اجتماعي طويل الأمد.

وهذه نقلة فكرية بالغة الأهمية. فالعسكري التقليدي يرى الحرب من منظار النصر والهزيمة، أما الباحث فيراها من زاوية التكلفة: كم مدرسة توقفت؟ كم أستاذًا هاجر؟ كم طالبًا ضاع مستقبله؟ كم مؤسسة فقدت كفاءاتها؟ كم جيلًا خرج إلى سوق العمل بلا معرفة؟ كم سنة تحتاج الدولة كي تستعيد ما خسرته؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل تجربة الموشكي الأكاديمية امتدادًا لتجربته العسكرية لا خروجًا عليها. لقد عرف كيف تُدار القوة، ثم حاول أن يفهم كيف تُدمر القوة مستقبل المجتمعات حين تخرج عن حدود الدولة والسياسة.

الحرب لا تقتل بالرصاص فقط

وهذا ربما يكون أحد أكثر الدروس عبقرية في مشروعه البحثي. فالدول لا تموت فقط حين تنهار جبهاتها، تموت أيضًا حين تنهار جامعاتها، وحين يفقد المعلم مكانته، وحين يهاجر الطبيب والمهندس والباحث، وحين يصبح الطالب أسير الجوع أو النزوح أو الانقطاع عن الدراسة.

الحرب لا تدمر البنية التحتية فقط، إنها تدمر المعنى، تجعل التعليم ترفًا، وتجعل المعرفة ضحية، وتجعل المستقبل مؤجلًا، وتنتج أجيالًا كاملة تعيش آثار حرب لم تختَرها.

وحين ركز إسماعيل الموشكي أبحاثه على العلاقة بين النزاع والتعليم والفجوة المعرفية، فإنه كان يضع يده على أخطر وجوه الحرب اليمنية: تدمير الإنسان الذي يفترض أن يعيد بناء الدولة بعد انتهاء الحرب.

من رجل الحرب إلى رجل السلام

لكن أهم تحول في سيرته جاء في سنواته الأخيرة. فالرجل الذي عرف المؤسسة العسكرية وخبر معنى العمليات والأركان، لم يقع في إغراء تمجيد الحرب، ولم يتحول إلى من يعتقد أن كل مشكلة لها حل عسكري، بل وصل إلى النتيجة التي يصل إليها العقلاء بعد التجربة: الحرب مهما طال عمرها لا تستطيع إنتاج دولة مستقرة.

ومن هنا جاء اهتمامه بالسلام. لم يكن السلام لديه كلمة مثالية، ولا شعارًا يصلح للمؤتمرات، ولا دعوة ناعمة تتجاهل الواقع. كان السلام عنده مرتبطًا ارتباطًا عضويًا بالدولة.

فوقف الحرب بلا استعادة مؤسسات الدولة يمكن أن يصنع هدنة بين جماعات مسلحة، واستعادة الدولة بلا تسوية سياسية يمكن أن تعيد إنتاج الحرب. ولذلك، فإن السلام الحقيقي بالنسبة إلى تجربته لا بد أن يقوم على ثلاثية واضحة: وقف الحرب، واستعادة الدولة، وإعادة السلاح إلى المؤسسة الوطنية.

اللقاء الأخير تقريبًا: ماذا كان يشغل الرجل؟

حين التقت به صحيفة بحر العرب في القاهرة قبل رحيله بفترة قصيرة، كان الحديث عن السلام والدولة ومستقبل اليمن. وهذه وحدها علامة ذات معنى.

كان يمكن لرجل في عمره وتجربته أن يتحدث عن ماضيه، عن المناصب التي شغلها، وعن الأشخاص الذين عرفهم، وعن القرارات والمعارك والذكريات، لكنه كان منشغلًا بالمستقبل: كيف نجمع الخبرات اليمنية؟ كيف نمنح العقل الوطني مساحة؟ كيف نتجاوز الانقسامات؟ كيف نستعيد الدولة؟ كيف نوقف الحرب؟ كيف نصنع سلامًا لا يكون هدنة مؤقتة؟

هذا النوع من الأسئلة يكشف أن الرجل لم يكن يعيش بعقل متقاعد، كان يعيش بعقل مواطن يحمل هم الدولة حتى النهاية.

السلام عند العسكري أكثر عمقًا

هناك فرق بين أن يتحدث عن السلام رجل لم يعرف الحرب، وبين أن يتحدث عنه رجل عاش عقودًا داخل مؤسسة عسكرية. العسكري يعرف أن القوة ضرورية، لكنه يعرف أيضًا أن استخدامها له حدود. يعرف أن النصر التكتيكي ليس دائمًا نصرًا استراتيجيًا، ويعرف أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة امتلاك الشرعية، ويعرف أن الحسم بالسلاح قد يخلق استقرارًا مؤقتًا، لكنه لا يعالج المظالم والأزمات الاجتماعية والسياسية.

ومن هنا تصبح دعوة إسماعيل الموشكي إلى السلام أكثر صدقية. فهي لم تأت من رفض مطلق للقوة، بل من فهم عميق لحدودها. القوة تحمي الدولة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنعها، والجيش يحمي النظام العام، لكنه لا يستطيع أن يكون بديلاً عن السياسة، والسلاح يردع الخطر، لكنه لا يبني المدرسة ولا الاقتصاد ولا الثقة الاجتماعية.

الرجل الذي جمع بين ثلاثة مفاهيم

يمكن اختصار مشروع إسماعيل الموشكي في ثلاثة عناوين: الدولة، والمعرفة، والسلام. في الدولة رأى شرط الاستقرار، وفي المعرفة رأى شرط المستقبل، وفي السلام رأى شرط بقاء المجتمع.

ولهذا، فإن سيرة الرجل لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها انتقالًا من مهنة إلى أخرى، وإنما باعتبارها تطورًا منطقيًا في الرؤية. في البداية فهم الدولة من خلال الجيش، ثم فهم المجتمع من خلال البحث، ثم فهم المستقبل من خلال السلام. وهذا مسار فكري بالغ النضج.

ما الذي بقي من عقيدته العسكرية؟

بقيت فكرة أن الجيش مؤسسة لا حزب، وبقيت فكرة أن الجندي يجب أن يمثل الوطن كله، وبقيت فكرة أن القيادة مسؤولية علمية وأخلاقية، وبقيت فكرة أن قوة الدولة ليست في تعدد جيوشها، بل في وحدة قرارها، وبقيت فكرة أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها.

وهذا هو الدرس الذي يحتاج اليمن إلى إعادة قراءته اليوم. فالبلاد لا تعاني نقصًا في السلاح، ولا نقصًا في المقاتلين، ولا نقصًا في الجماعات. ما ينقصها هو احتكار الدولة للسلاح، ووحدة القرار، ومؤسسة وطنية لا تتبع شخصًا أو حزبًا أو منطقة. وهذا هو جوهر ما كان يدافع عنه الموشكي منذ سنوات.

هل خسر اليمن رجلًا أم مدرسة؟

رحيل إسماعيل الموشكي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خسارة فردية فقط. فالرجال الذين يجمعون بين الخبرة العسكرية والتأهيل الأكاديمي والاهتمام بالشأن الوطني والسلام يمثلون رأس مال مؤسسيًا لا يتكرر بسهولة.

المشكلة في اليمن ليست فقط أن الحروب تقتل الناس، بل إنها تستهلك الخبرات، وتدفع البعض إلى الهجرة، وتقصي البعض، وتحول الدولة إلى مكان لا يعرف كيف يستفيد من رجاله. وحين يرحل صاحب تجربة طويلة دون أن توثق الدولة معرفته وخبرته، فإن الخسارة تصبح مضاعفة.

نخسر الرجل، ونخسر الذاكرة التي كانت معه. ولهذا، فإن تكريم الموشكي الحقيقي لا يكون في إقامة مراسم عزاء فقط، بل في توثيق تجربته، وجمع أبحاثه، وتسجيل شهادات زملائه، ودراسة رؤيته للمؤسسة العسكرية، وتحويل سيرته إلى مادة يستفيد منها ضباط المستقبل وباحثو الدولة والسلام.

رسالة إلى المؤسسة العسكرية اليمنية

لو أردنا أن نستخلص من حياة الرجل رسالة واحدة للقوات المسلحة اليمنية اليوم، فهي بسيطة: عودوا إلى الدولة.

لا وطن بلا جيش، لكن لا جيش وطني بلا دولة، ولا دولة إذا أصبح الجيش موزعًا بين الولاءات. إن أكبر تكريم لضابط آمن بحياد المؤسسة العسكرية هو أن يعود الجيش اليمني يومًا مؤسسة واحدة، بقيادة واحدة، وعقيدة وطنية واحدة، وسلاح واحد تحت شرعية الدولة والقانون.

لا ميليشيات موازية، لا جيوش أحزاب، لا ألوية مناطق، ولا قيادات تتلقى قراراتها من خارج المؤسسة الوطنية. فالجيش الذي يحتاج اليمن إلى بنائه ليس جيش المنتصر في الحرب، بل جيش الدولة التي يجب أن تبقى بعد الحرب.

ورسالة إلى السياسيين

تجربة إسماعيل الموشكي تقول أيضًا شيئًا للساسة: لا تستخدموا الجيش في نزاعاتكم، لا تحولوا الضابط إلى حزبي، لا تجعلوا السلاح بديلاً عن الحوار، ولا تعتقدوا أن السيطرة على مؤسسة الدولة تعني امتلاك الدولة.

الدولة التي تُبنى لخدمة طرف، تتحول يومًا إلى غنيمة للطرف الأقوى. أما الدولة التي تُبنى فوق القانون، فتحمي الجميع.

ولهذا كان السلام الذي شغل الموشكي في سنواته الأخيرة ليس انفصالًا عن تجربته السابقة، بل خلاصة لها. لقد فهم أن السياسة حين تفشل، يدفع الجيش الثمن، وحين ينقسم الجيش، يدفع الشعب الثمن، وحين ينهار التعليم، يدفع المستقبل الثمن.

اليمن الذي حلم به

من خلال سيرته يمكن استنتاج أن اليمن الذي كان ينتمي إليه الموشكي ليس يمن الجماعات، بل يمن الدولة، ليس يمن الطوائف، بل يمن المواطنة، ليس يمن السلاح المنفلت، بل يمن المؤسسة، ليس يمن الحرب المفتوحة، بل يمن التسوية الوطنية، وليس يمن الجهل، بل يمن المعرفة.

وهذه ليست رومانسية، هذه هي شروط الدولة الحديثة: الدولة التي تحمي سيادتها، وتوحد جيشها، وتستثمر في الإنسان، وتعيد بناء التعليم، وتمنح السياسة فرصة لحل الصراعات قبل أن تتحول إلى حروب.

حين يتحول الإنسان إلى فكرة

يموت الإنسان حين يتوقف قلبه، لكن بعض الرجال تبدأ حياتهم الثانية بعد الرحيل، حين تتحول سيرتهم إلى درس، وحين تتحول كلماتهم إلى مرجع، وحين تكتشف الأجيال أن ما قالوه قبل سنوات كان تحذيرًا من كارثة وقعت بالفعل.

وإسماعيل الموشكي يستحق هذه الحياة الثانية، لا لأنه كان ضابطًا كبيرًا فقط، بل لأنه جمع بين خبرة الميدان وفهم المعرفة وآمن بالسلام، ولأنه ينتمي إلى نوع الرجال الذين لا يمكن اختصارهم في منصب.

الخاتمة:

سلام عليك يا رجل الدولة

سلام على إسماعيل الموشكي، على الضابط الذي عرف أن القوة مسؤولية، وعلى الباحث الذي قرأ الحرب في عيون الطلاب والمدارس والمؤسسات، لا في خرائط الجبهات فقط، وعلى الأكاديمي الذي فهم أن المعرفة جزء من الأمن القومي، وعلى رجل السلام الذي لم يبحث في نهاية حياته عن موقع في السلطة، بل عن طريق يعيد اليمن إلى الدولة.

لقد رحل الرجل، لكن السؤال الذي عاش من أجله باقٍ: متى يتوقف اليمنيون عن الاستثمار في الحرب، ويبدأون الاستثمار في الدولة؟ ومتى يصبح السلاح وسيلة لحماية الوطن، لا أداة لتقسيمه؟ ومتى يعود الجيش جيشًا لليمن كله؟ ومتى تعود الجامعة مصنعًا للعقل؟ ومتى يصبح السلام مشروع دولة، لا استراحة بين حربين؟

هذه الأسئلة هي التي تجعل من سيرة اللواء الدكتور إسماعيل أحمد علي الموشكي أكثر من رثاء، تجعلها وثيقة وطنية، وتجعل الرجل أكبر من منصب، وتجعل ذكراه جزءًا من معركة اليمن من أجل استعادة نفسه.

رحم الله اللواء الدكتور إسماعيل الموشكي، ورحم في سيرته معنى الجندية حين تكون شرفًا، ومعنى العلم حين يكون رسالة، ومعنى السلام حين يكون شجاعة.

أما خلوده الحقيقي، فلن يكون في صورة معلقة على جدار، بل يوم يصبح ما آمن به واقعًا: دولة واحدة، وجيش واحد، ومؤسسة واحدة، وسلام يعيد لليمن حقه في الحياة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.