: آخر تحديث

السلوك الثقافي

2
2
2

موسى بهبهاني

السلوك الثقافي هو رد فعل الكائن الحي الذي يمكن ملاحظته وقياسه بشكل مباشر أو بوسائل علمية، وهو الإطار المكتسب من القيم والمعتقدات والأعراف الذي يوجه تفكير الإنسان وتصرفاته اليومية، ليحدد أسلوب تعامله مع مختلف جوانب الحياة كالعمل، والأسرة، والمجتمع، والتواصل مع الآخرين.

وقد ساهمت الثقافات من جميع أنحاء العالم في تشكيل المجتمعات بشكلها الحالي.

إلا أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية تفتقر إلى ثقافة التعامل مع أوجه الحياة اليومية المتعددة، علماً بأن الثقافة ليست بالضرورة أن تكون مكتسبة بالتعليم والقراءة والكتابة، إنما جوهرها يكون في السلوك وكيفية التعامل مع الآخرين، ويتعلمها الإنسان من مجتمعه دون الحاجة إلى القراءة والكتابة بل يكتسبها بملاحظة الكبار في العائلة والمجتمع، بحيث تتشكل قيم الأفراد من خلال التفاعل المباشر مع البيئة المحيطة به.

فتجعل الإنسان أكثر وعياً والمجتمع أكثر تماسكاً والأمة أكثر إشعاعاً في مسيرة الحضارة الإنسانية.

أمثلة من نقص الثقافة في أوجه الحياة المتعددة:

1 - الثقافة المرورية

نقص الثقافة المرورية هو السبب الرئيسي لكثرة الحوادث والازدحام في الشارع، والمحصلة عدم احترام القانون، والانشغال بالهاتف أثناء القيادة، وقلة الصبر والانفعال غير المبرر بين السائقين.

2 - ارتياد دور العبادة

نجد غياب الوعي بآداب وسلوكيات التعامل مع بيوت الله، واقتصار مفهومها أحياناً على أداء الصلاة الفردية فقط، متجاهلاً دورها التربوي والاجتماعي والحضاري الشامل في حياة المسلم والمجتمع.

3 - في التسوق

يؤدي إلى الشراء العشوائي ( الكماليات - الطعام ) إلى إهدار المال، وتراكم السلع غير الضرورية وتلفها لزيادتها عن الحاجة.

4 - في السفر

يتمثل في غياب الوعي بعادات البلد المضيف، وعدم احترام القوانين، و التعامل الفظ، ورفع الصوت في الأماكن العامة، واعتبار السفر مجرد استعراض شكلي أو هروب بدلاً من كونها تجربة لنمو الوعي وإثراء المعرفة الإنسانية.

تَغَرَّب عَنِ الأَوطانِ في طَلَبِ العُلى ... وَسافِر فَفي الأَسفارِ خَمسُ فَوائِدِ

تَفَرُّج هَمٍّ وَاكْتِسابُ مَعيشَةٍ ... وَعِلْمٌ وَآدابٌ وَصُحْبَةُ ماجِدِ

5 - التعامل مع الطعام

الهدر الغذائي وثقافة (الزود ولا النقص)!

وللأسف كمية الغذاء التي يتم التخلص منها بالقمامة صاعقة.

آداب الأكل:

ولا تَكُن نَهِماً في الأَكلِ وَاقتَصَد ** وَانفي عَنِ العَرضِ وَصف الجوعِ وَالبُخلِ

وَلا تَكُن ضَيغَناً خَلفَ الضيوفِ وَدَع ** شَراهَة النّفسِ في الإِبكارِ وَالطِفلِ

- (الضيغن) هو الطفيلي يأتي مع الضيوف دون دعوة.

وَلا تُكُن في غُضونِ الأَكلِ ذا نَظَرِ ** إِلى جَليسِكَ يَغدو مِنكَ في خَجلِ

—عدم النظر إلى الضيف أثناء الأكل لأنه قد يخجل فيترك الطعام.

6 - عيادة المريض

يحول الزيارة من دعم نفسي وعلاج إلى عبء وضغط عصبي على المريض وأهله - الإطالة في وقت الزيارة -إثارة القلق بقصص سلبية عن المرض - التدخل المباشر في تفاصيل العلاج والتشخيص.

7 - احترام حقوق الآخرين

احترام حقوق الآخرين في طوابير التسوق -العيادات - الأسواق -الوزارات - المطاعم ...

فاحترام حقوق الآخرين يعكس رقي الأخلاق ويدعم النظام العام، ويشمل الالتزام بالدور وعدم تخطي الآخرين، كذلك الحرص على الحفاظ على الهدوء، واحترام الخصوصية الشخصية للمحيطين بك في الأماكن المزدحمة.

8 - ثقافة اكتساب الثقة للطلبة

هي بناء عقلية تؤمن بأن القدرات تتطور بالجهد والمثابرة، فدور المدرسة تقوية سلوك الطالب وتهيئة للمراحل الدراسية المتقدمة، وتعليهم كيفية التواصل مع الأساتذة واختيار الهندام المناسب في المرحلة الجامعية.

9 - التواصل الاجتماعي

يرتكب البعض عقوقاً وتقصيراً باتجاه أرحامه وأصدقائه خاصةً والديه، وذلك بسبب ضعف الوازع الديني، أو الانشغال بملذات الحياة، أو نسيان الفضل والإحسان.

نتساءل من المسؤول والمعني في تصحيح ثقافة المجتمع؟

يتضح بأن المعني بتصحيح مسار ثقافة المجتمع ليس فرداً بعينه، بل هي مسؤولية جماعية تتوزع بين الفرد الذي يبدأ بإصلاح نفسه، والأسرة التي تغرس القيم، والمؤسسات التعليمية والدينية التي تربط العلم بالعمل، والدولة التي تضع التشريعات وتنفذ القوانين، والإعلام والمجتمع المدني الذي ينشر الوعي ويقوّم السلوك.

فالثقافة لا تستقيم إلا بتكامل هذه الأدوار لتكون المعرفة نوراً يهدي السلوك.

ورد عن النبي الأكرم صلي الله عليه وآله:

{ إنَّمَا بَعَثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ }

الأخلاق والآداب لهما دور كبير في العملية التربوية، فالعلم من دون أخلاق علم ناقص وغير نافع، ومن هنا، تكون أهمية تأسيس وتنمية مكارم الأخلاق في تنشئة طلاب العلم، فإن أردت أن تحكم على مستقبل أمة فانظر إلى أخلاقها.

« إنَّمَا الْأُمَم الْأَخْلَاقِ مَا بَقِيَتْ فَإِنْ هُم ذَهَبَتْ أَخْلَاقِهِمْ ذَهَبُوا»

ختاماً،

تتطور المجتمعات وتزدهر عندما تتبنى منظومة قيم إيجابية، وترجمتها إلى سلوكيات عملية يومية مثل الأمانة، وإتقان العمل، واحترام الوقت، والتعاون، فالسلوك الحسن هو المرآة الحقيقية للقيم، ومن دون تطبيقها تتراجع المجتمعات.

نسأل الله أن نتزود بما أنعم الله علينا من الشريعة السمحة من ثقافة واعية تحقق السلامة والأمان لمجتمعاتنا العربية والإسلامية.

اللهم أحفظ الكويت آمنة مطمئنة، والحمدلله رب العالمين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد