: آخر تحديث

اكتشاف ريدلي والتركيبة الكويتية

5
9
8

علمياً، وُجد «نوعنا البشري» على هذا الكوكب قبل 200 إلى 300 ألف سنة، تقريبا، مارس خلالها عملية الجمع والالتقاط، دون أن يطرأ تغير جذري على حياته. لفت ذلك نظر البريطاني ماثيو ريدلي، ودفعه للإجابة عن السؤال الغريب: لماذا ظل البشر يعيشون حياة شديدة البساطة طوال عشرات آلاف السنين، ثم فجأة تسارع تقدمهم بشكل هائل؟ فهل كان السبب ارتفاعاً مفاجئاً في قدراتهم العقلية، أو ثراء تجاربهم، أو إتقانهم لأداة التخاطب، أم حدث شيء آخر خلاف كل ذلك؟

يعتبر ريدلي، عالم إحياء أرستقراطي إنكليزي من مواليد 1958. كما كان رجل أعمال وصحافيا يكتب في مجالات العلوم والبيئة والاقتصاد، وعضوا وراثيا في مجلس اللوردات. وفي 2010 نشر كتابه الشهير «المتفائل العقلاني»، بفكرته البسيطة، التي غيّرت تاليا الطريقة التي أصبحنا ننظر بها إلى تاريخ الحضارة، وإلى سر التقدم الفجائي للبشر. فمعظم الفترة التي عاشها الإنسان الحديث، امتلك فيها تقريبا الدماغ نفسه الذي نمتلكه اليوم، بالحجم نفسه، والبنية العصبية نفسها، والقدرة على التفكير والتخطيط والتواصل نفسها، ومع ذلك، ظل التقدم بطيئا جدا لآلاف الأجيال، واستمروا على مدى مئات آلاف السنين يستخدمون الأدوات والمواد نفسها. ثم بدأت الأمور بالتغيّر، مع ظهور ابتكارات جديدة، وتراكم المعرفة، لينتج عن ذلك انفجار حضاري. فما الذي حدث؟

يقول ريدلي: بدأ البشر يتاجرون مع أشخاص لا ينتمون إلى جماعتهم، وقد يبدو ذلك تفسيرا صغيرا جدا لشيء بحجم الحضارة الإنسانية، لكنه رأى أنه من تلك النقطة بدأت القصة الحقيقية. فعندما يتبادل شخص شيئا يملكه مع شخص آخر، لا تنتقل السلعة فقط بينهما، بل تنتقل معها المعرفة. فصانع الأدوات الحجرية تعلّم شيئا من صانع الرماح. وسكان الساحل نقلوا خبراتهم إلى بشر الداخل. وفكرة وُلدت في مكان اختلطت بفكرة ظهرت في مكان آخر. ومن هذا الاختلاط خرج شيء لم يكن أي طرف قادرا على ابتكاره وحده، ونتج ما يسمى بـ«تزاوج الأفكار». فكما تنتج الجينات تركيبات جديدة، عندما تختلط بعضها مع بعض، فإن الأفكار تقوم بالشيء نفسه عندما تلتقي بغيرها من الأفكار. فالفكرة التي تبقى داخل عقل واحد لها حدود، مهما كان ذلك العقل عبقريا، لكن عندما تدخل الفكرة لشبكة تضم مئات أو آلاف العقول، تبدأ الاحتمالات في التضاعف.

ومن أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام التي يناقشها ريدلي قصة تاسمانيا، فقبل نحو 10 آلاف سنة، أدى ارتفاع مستوى البحر إلى عزلها عن بقية أستراليا، ونتج عن ذلك الانعزال تخلف شعبها عن باقي شعب أستراليا، وبالتالي المشكلة لم تكن في عقول بشر تاسمانيا، بل في حجم الشبكة التي تتبادل المعرفة، في ما بينها. وهنا تأتي الفكرة الأهم، فالمعرفة لا تنتقل من جيل إلى آخر بصورة كاملة. فعندما يتعلم شخص مهارة من شخص آخر، تضيع بعض التفاصيل. وهذه ليست مشكلة في مجتمع كبير، لكن إن ضاعت التقنية في قرية منعزلة، فلن تعود لها، وبعد أجيال يتراكم الجهل أكثر. وبالتالي فإن الذكاء ليس فقط ما يوجد داخل الرأس، بل يبقى جزء كبير منه موجوداً في الشبكة التي تتصل به. فما ينتجه شخص شديد الذكاء، والمعزول تماماً عن محيطه، أقل بكثير مما ينتجه شخص متوسط الذكاء يعيش وسط شبكة مليئة بالأفكار والخبرات المختلفة.

وهذا ما نحن بحاجة إليه في وطننا، أي تلاقح الأفكار مع عناصر جديدة، وعدم حبس أنفسنا في محيط ضيق، ففي ذلك تآكلنا وفناؤنا المحتم. فهذا التنوع الاثني، الثقافي والعنصري واللغوي، الذي عاشت فيه الكويت على مدى قرون، هو الذي جعلها مميزة ومختلفة عن غيرها، فبالتنوع تميزنا، وبه تقدمنا.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد