هذا التعلق «الثقافي أو النفسي» بالأوطان السابقة، حتى بعد مرور أجيال عليه، حدث مع معظم من هاجروا إلى أمريكا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا، من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وأيرلندا واليونان، ودول أمريكا الجنوبية، وأدى عيشهم في أحياء متقاربة، لترسيخ هوياتهم السابقة، حتى بعد اندماجهم الكلي مع مجتمعاتهم الجديدة. ولم يأتِ وفاء وولاء هؤلاء لوطنهم الجديد عبثاً، بل جاء نتيجة لما وجدوه من فرص عمل، وحياة جيدة، بعد أن توافرت لهم العدالة في الحقوق والواجبات، بشكل عام، حتى وإن كانوا ينتمون لعرق أو دين أو ثقافة مختلفة عن الغالبية، مع استثناءات هنا وهناك.
* * *
فوجئت قبل بضعة أيام بتصريح لمسؤول سابق يقول فيه إنه «لولا وجود القواعد العسكرية الأمريكية، بيننا، لكنا اليوم نتكلم الإيرانية» (!!).
لقي التصريح استنكارا من الكثيرين، تمثل في حجم التعليقات السلبية عليه، ولا أدري ما الذي دفعه لذلك القول، الذي اتصف بدرجة من الحمق، وربما سوء القصد، خاصة أن العكس أقرب للواقع. فقد وجدت الكويت نفسها، قبل قرابة ثلاثة قرون، جارة لإيران، التي هاجر إليها من مدنها، الساحلية غالباً، عشرات أو مئات الآلاف، على مدى قرون، وكانت لغة غالبية هؤلاء «الفارسية»، لكن سرعان ما تحولوا للتحدث بـ«العربية»، ونسوا تماماً لغة أجدادهم، ولم يحدث عكس ذلك يوماً، حتى مع بقية دول المنطقة.
كما أن القواعد الأمريكية تواجدت في الكويت قبل 36 عاماً، أي بعد التحرير من الاحتلال الصدامي، فهل جاءت لحماية لغتنا؟ كما أن وضعنا الأمني مع الجارة إيران، في الفترة من 1979، أي بعد قيام الثورة الإيرانية، وحتى ما قبلها، وصولاً للغزو والاحتلال الصدامي عام 1990، لم يكن يوماً مثالياً، لكن لم نكن أيضاً، معرضين لأن نصبح بحيرة إيرانية، دون أن ننسى ما تعرضنا له في الأشهر القليلة الماضية من اعتداء سافر وغير إنساني ولا أخلاقي علينا من قبلها.
كما جدير بالذكر ملاحظة أن «شاه إيران» رضا بهلوي، غرر في أبريل 1925 بالشيخ خزعل، وخطفه، فيما يعرف بحادثة «الدقة الخزعلية»، وألحق مشيخة «المحمرة»، أو الأهواز، ذات الحكم الذاتي، بإيران، ومع هذا لا يزال سكان تلك المنطقة، وبعد أكثر من مئة عام، من الحكم الإيراني، يتحدثون «العربية».
وإلى مقال الغد.
أحمد الصراف

