لكن كلمة قالها أحد الأقرباء توقفت عندها طويلاً، لأنها كانت قاسية في بساطتها: «نبني للمريض مساجد كثيرة ليُصلّى عليه في أحدها، بينما هو يحتاج قبل ذلك إلى مركز طبي قريب منه يساعده على البقاء حياً!».
قد تبدو العبارة صادمة، وقد يثور عليها بعض القراء فيكيلون على كاتبة المقال التهم بكل أشكالها. لكن ما كتبته يفتح باباً يستحق أن نتوقف عنده وندخل في تفاصيله.
في بعض المناطق وهي كثيرة، يحتاج مريض الكلى إلى أن يقطع مسافة، وأن ينتظر، وأن يرتب حياته كلها حول موعد غسيل للدم.. لا يملك ترف تأجيله. غسيل الكلى بالنسبة إليه ولكثيرين مثله ليس موعداً طبياً عادياً؛ إنه موعد مع الحياة، يتكرر مرات عدة كل أسبوع، طوال شهور وربما سنوات.
ومن هنا يأتي السؤال: لماذا لا نوسّع مفهوم العمل الخيري في الكويت ليصبح بناء الإنسان وعلاجه جزءاً أكبر من ثقافة التبرع؟
نحن لا نقارن بين مسجد ومركز طبي، ولا نقلل لحظة واحدة من قيمة بناء بيوت الله. لكن أبواب الخير كثيرة، ومن أعظمها تفريج كربة مريض، وتخفيف ألمه، وتقريب العلاج من بيته.
بدل بناء أربعة أو خمسة مساجد في منطقة سكنية واحدة، لا يتحاوز عدد المصلين في بعضها أصابع اليد.. لماذا لا يبنى مركز غسيل كلى متكامل أو مركز متخصص آخر إلى جانب عدد أقل من المساجد بالمنطقة ذاتها.
ان ما يحتاجه المريض ليس مجرد مبنى وأجهزة.. إنه ساعات نوفرها على مريض أنهكه المرض، ومسافة نختصرها على كبير في السن، وقلق نرفعه عن أسرة، وسرير علاج قد يكون سبباً، بعد الله، في إطالة حياة إنسان.
لماذا أتحدث عن غسيل الكلى؟ لأن عدد مرضى الفشل الكلوي في ازدياد مثل أمراض اخرى كالسرطان.
رغم أن الكويت تتميز ولله الحمد عن دول أخرى، ومن ثم فإن هذا الجانب يحتاج الى توسيع وتشجيع أكبر.. انطلاقاً من إحصاءات تقدمها وزارة الصحة لعدد حالات هذا المرض وغيره والمناطق التي يقطنونها، وبناء عليه تحدد أولوية المراكز الصحية المتخصصة.
ومن الجميل أيضاً أن تضع الدولة بالتعاون مع وزارة الأوقاف ووزارة الصحة والجمعيات الخيرية نظاماً واضحاً يوجه من يرغب من المتبرعين إلى المشروعات الصحية التي تحتاجها البلاد؟ حيث توفر الدولة الأرض والتراخيص والرقابة والمعايير، ويتكفل أهل الخير بالبناء أو الأجهزة أو التشغيل، ويبقى المركز تحت إشراف صحي صارم يضمن استمراره وجودة خدماته.
بل لماذا لا تكون هناك «خريطة للصدقة الصحية» في الكويت، يعرف من خلالها المتبرع أن هذه المنطقة تحتاج مركز غسيل كلى، وتلك تحتاج مركز تأهيل، وثالثة تحتاج خدمة لكبار السن؟
الصدقة لا تتغير قيمتها عندما تتحول من جدران مسجد إلى مركز وأجهزة غسيل كلى، من شأنه إعادة الدم نقياً إلى جسد مريض، وهذا بذاته باب من أعظم أبواب الأجر، لأنه يخدم إنساناً اليوم، وآخر غداً، ومئات المرضى على مدى سنوات.
لدينا، ولله الحمد، أهل خير كثيرون، ولدينا أموال تُنفق بنوايا صادقة. ما نحتاج إليه هو أن نوجّه جزءاً من هذا الخير إلى حيث يكون الألم أشد والحاجة أكبر.. ولعل العبارة التي بدأت منها هذا المقال، على قسوتها، تستحق أن تصل إلى المسؤول والمتبرع معاً، فكما يفكر أصحاب العلاقة ببناء مسجد في كل قطعة سكنية، فمن المهم أيضاً الا نتناسى أهمية وجود مثل هذه المراكز الصحية في المناطق السكنية، حتى لا يكون أول مكان قريب من المريض هو المسجد الذي سيُصلّى عليه فيه.
اجعلوا قبله مركزاً طبياً يُبذل فيه كل الجهد لكي يعود إلى بيته حياً.. ثم بعدها يتوجه إلى المسجد في القطعة الأخرى ليصلي فيه وهو بصحته.
* * *
عندما نترحّم على إنسان، مثل الفنان التشكيلي سامي محمد، فإننا نكون قد فقدنا قامة فنية تشكيلية يشهد لها الفن التشكيلي كله. أتمنى من الدولة أن تتبنى متحفه، الذي بذل جهداً كبيراً وأنفق عليه مادياً، حتى يرى النور.
إقبال الأحمد

