: آخر تحديث

بيوت يسكنها الصمت

3
4
2

تغريد إبراهيم الطاسان

ليست كل البيوت الهادئة سعيدة، وغياب الشجار ليس دليلا على حضور الألفة دائما.

فهناك بيوت لا ترتفع فيها الأصوات، ولا تُسمع فيها الخصومات، ويبدو كل شيء فيها مستقرًا لمن يراها من الخارج، بينما يعيش تحت سقفها أشخاص تجمعهم الجدران وتفصل بينهم مسافات من الصمت.

زوجان لا يتحدثان إلا عن الأبناء ومطالب المنزل، ومراهق أغلق باب غرفته كما أغلق قبله باب الحديث، وابن كان يعود من المدرسة محملًا بالحكايات ثم أصبح جوابه الدائم: «عادي.. ما صار شيء»، وأم تعرف تفاصيل حياة الجميع ولا يعرف أحد ماذا يحدث في داخلها، وأب اعتاد الجميع أن يروه قويًا حتى نسوا أن يسألوه: وأنت.. كيف حالك؟

هؤلاء هم «الصامتون في بيوتنا».

وليس المقصود بالصمت هنا قلة الكلام.. فبعض الناس هادئون بطبيعتهم، وبعضهم يجيد التعبير بالفعل أكثر من الكلمات. إنما الصمت الذي يستحق أن نتوقف عنده هو أن يكون لدى الإنسان الكثير ليقوله، لكنه لم يعد يرى فائدة من قوله.

فالإنسان لا يصمت دائمًا لأنه لا يملك الكلام، بل قد يصمت لأنه لم يجد من يسمعه.

وقد يبدأ هذا الصمت مبكرًا جدًا.

طفل يعود من المدرسة ليحكي موقفًا حدث له، فنقاطعه قبل أن يكمل، أو نحول حديثه إلى محاضرة، أو نسخر من أمر يراه مهمًا ونراه نحن تافهًا.

ومراهقة تحاول أن تخبر والدتها عن مشكلة فتسمع فورًا: «أنتِ السبب.. قلت لك من البداية».

وابن يعترف بخطأ، فيتحول اعترافه إلى تحقيق طويل وعقوبة واتهامات.

ثم تمر السنوات ونشتكي: لماذا ابناؤنا بعيدون عنا..! ولماذا يعيش الزوجان غرباء تحت سقف واحد..! ولماذا لغة الحوار مفقودة بيننا..!

ولماذا لا نكون لبعضنا الأقرب عند أوقات الضعف أو الأزمات أو حتى في أوقات الفرح والمسرات

وهنا .. ربما يكون السؤال الأكثر واقعية:

كيف كنا نستقبل حديثهم؟ عندما كنا أول وجهات الإنصات ثم الاحتواء والنقاش والتوجيه عندما كانت لغة الفضفضة تتساقط طازجة من أفواه أفراد الأسرة أزواجاً كانوا أو أبناء ..

والاجابة الصادمة، غالباً ما تكون.. نحن من أغلقنا الباب دون أن نشعر، حتى أصبح الصمت لذلك البيت شعارا.

وحتى لا تختلط الأمور..

من الطبيعي أن يكون للزوجين مساحة من الخصوصية يكون فيها السكوت ذهبا يزين العلاقة بين الزوجين..

ومن الطبيعي أن تكون الحاجة الى الاستقلالية والخصوصية أكبر عندما تتسع خطوات اطفالنا ليصلوا إلى مرحلة المراهقة ، ولكن هناك فرقًا بين الخصوصية وبين أن يكون هناك حاجز من الصمت بين الزوجين.. أو أن يصبح الأب والأم آخر من يعرف ما يحدث في حياة ابنهما.

ومن أجمل القواعد التربوية التي يمكن أن نتذكرها: إذا أردت أن يخبرك ابنك بالأشياء الكبيرة غدًا، استمع إلى أشيائه الصغيرة اليوم.

استمع إلى قصته التي سمعتها عشر مرات، وإلى حديثه عن لعبته وصديقه وموقف حدث في المدرسة. قد تكون التفاصيل بسيطة بالنسبة لك، لكنها بالنسبة إليه حياته كلها.

أما في العلاقة بين الزوجين والتي غالبا ما تبدأ بالكثير من الحديث عن تفاصيل اليوم، الأحلام، الخطط، المخاوف، وحتى الأشياء الصغيرة التي لا تعني أحدًا سواهما. ثم تمضي السنوات، وتزداد المسؤوليات، وقد يتحول الحوار شيئًا فشيئًا إلى إدارة مشتركة للحياة:

من سيأخذ الأبناء؟

ماذا نحتاج من المنزل؟

متى موعد المدرسة؟

هل دُفعت الفاتورة؟

ثرثرة وكثافة حديث يُناقش برسمية وجدية وآلية عملية لمتطلبات الحياة، مع إهمال يركن أحاديث المودة والرحمة والحب والصداقة الشفافة التي هي أساس نجاح الزواج .

وهنا قد يكون الصمت أخطر من الخلاف، لأن الخلاف يعني أحيانًا أن هناك من لا يزال يحاول أن يقول: «اسمعني»، بينما قد يصل الصامت إلى مرحلة يقول فيها داخليًا: «لم يعد للكلام فائدة».

وقد يجلس شخصان على أريكة واحدة، وبينهما من المسافات ما بعادل بعد السماء عن الأرض

لكن علينا أيضًا ألا نظلم الصمت، فليس كل صمت مشكلة.

وحتى لا نظلم الصمت.. علينا أن نشير الى الصمت الإيجابي المريح الذي يكون بين شخصين يفهم كل منهما الآخر ويشعر معه بالأمان،

وايضا ذلك الصمت الناضج، عندما نختار ألا نتحدث ونحن في ذروة الغضب حتى لا نؤذي من نحب.

مشاكلنا تكمن في «الصمت العقابي» الذي يتحول إلى وسيلة لإيلام الآخر، أو الصمت الناتج عن الخوف، أو ذلك الصمت الذي يأتي بعد محاولات طويلة من الحديث دون أن يشعر الإنسان أنه مسموع.

وهنا يجب ألا نسأل فقط: لماذا لا يتحدث؟

بل: ما الذي جعله يتوقف عن الحديث؟

أسباب كثيرة تجرنا إلى أعماق آبار الصمت يمكن أن نضيف لها سبب مستجد جاء مع ولادة التقنية الرقمية لتضيف إلى صمت البيوت شكلاً جديدًا.

حيث نجلس اليوم في غرفة واحدة، لكن كل واحد منا يعيش في عالم مختلف. الأب أمام هاتفه، والأم تتصفح شاشة أخرى، والابن في لعبة، والابنة تتحدث مع صديقاتها.

عوالم افتراضية جاذبية صخبها الصامت والمستتر خلف شاشات براقة سرقتنا بسهولة من حياة الواقع الذي أصبح ممتلئا بحواجز الصمت وتحويلات تقودنا إلى عالم الشاشات ..!

مع ذلك..التقنية واقع ولغة العصر الذي نعيش فيه، نحن لسنا بحاجة إلى إعلان الحرب عليها ، لكننا بحاجة إلى استعادة بعض المساحات التي سرقتها منا.

وجبة واحدة بلا هواتف.

مشوار مع ابن دون شاشة.

فنجان قهوة بين زوجين لا يقطعه إشعار.

وعشرون دقيقة يكون فيها الشخص الذي أمامنا أهم من الشخص الذي يكتب لنا من خلف الشاشة.

تتنوع أشكال الصمت.. ولكن يبقى دائماً بين الصامتين شخص قد لا ننتبه إليه أبدا.. ذلك الذي يسمع الجميع ولا يسمعه أحد.

قد تكون الأم التي تحمل هموم البيت، أو الأب الذي يحمل مسؤولياته بصمت، وربما الابن الهادئ الذي لا يسبب مشكلات ولذلك لا يسأل أحد عما يدور داخله.

نحن بطبيعتنا ننتبه لمن يصرخ، ونذهب إلى من يطلب المساعدة، لكن بعض الناس أتقنوا الصمت إلى درجة أننا صدقنا أنهم بخير.

ولهذا ربما علينا أن نتعلم ألا ننتظر دائمًا أن يقول من نحب: «أنا متعب».

أن نسأل قبل أن يطلب.

وأن نستمع قبل أن ننصح.

وأن نفهم قبل أن نحكم.

فالاستماع الحقيقي ليس أن تصمت حتى يأتي دورك في الكلام، بل أن تصمت لأنك تريد أن تفهم.

ولعل أخطر ما في الصمت الأسري ليس أن يتوقف أفراد الأسرة عن الكلام، بل أن يتوقفوا عن الشعور بأن البيت هو المكان الذي يستطيعون الكلام فيه.

فالبيت الآمن ليس البيت الذي لا يخطئ فيه أحد، ولا الذي يتفق فيه الجميع على كل شيء، وإنما البيت الذي يستطيع أحد أفراده أن يقول فيه: أنا خائف، أنا أخطأت، أنا حزين، أنا لا أتفق معكم، أنا بحاجة إليكم.. دون أن يخشى أن يفقد مكانته أو محبته.

ولذلك، حين نعود إلى بيوتنا، ربما علينا ألا نسأل فقط: من أكثر شخص يتحدث؟

بل أن نبحث عن ذلك الذي توقف عن الحديث.

من كان يحكي لنا ثم صمت؟

من يجلس معنا ولا نعرف ماذا يدور بداخله؟

من يسأل عن الجميع ولم نسأله منذ وقت طويل: كيف حالك؟

فبعض الصمت راحة، وبعضه طبع، وبعضه حكمة..

لكن بعض الصمت استغاثة بلا صوت.

وقد يكون كل ما يحتاجه أحد الصامتين في بيوتنا سؤالًا صادقًا:

«كيف حالك.. فعلًا؟»

ثم، وللمرة الأولى، لا نستعجل الإجابة عنه..

نصمت نحن، ونتركه يتكلم.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد