أعترف أن علاقتي بالمانجا بدأت بحكمٍ مسبق! ربما بشيء من الاستعلاء الثقافي، كنت أراها عالمًا للأطفال والمراهقين، أو اهتمامًا لفئة تعيش في عالم آخر، رسوم يابانية بعيون واسعة، وشخصيات غريبة، وقصص تمتد عشرات الأجزاء، لكنني مؤخراً بدأت أُدرك سبب وقوف أحدهم طويلًا أمام رفوف "المانجا"، أو حديثه الحماسي عن بطلٍ مرسوم، وكأنه إنسان حقيقي يعرفه منذ سنوات!
كانت البداية حينما تشجعت، وشاهدت بِضع حلقات من مسلسل "مذكرة الموت"، بناءً على توصية صديق، حدث شيء لم أتوقعه، أُغرمت بالعمل، واضطررت إلى مراجعة تصوراتي عن عالم "المانجا"، فظاهر القصة بسيط وخيالي: شاب يعثر على مذكرة غامضة، كل من يُكتب اسمه فيها يموت، لكن هذه الفكرة سرعان ما تتحول إلى سؤال أخلاقي وفلسفي، ماذا سيحدث لو امتلك إنسان عادي سلطة مطلقة على حياة الآخرين؟ وهل يمكن للعدالة أن تصمد عندما يمارسها فردٌ بلا قانون ولا رقابة؟ ومن يقرر أصلًا من يستحق العقاب؟
من هنا بدأت أقرأ وأشاهد توصيات أخرى، واكتشفت أن الخطأ لم يكن في "المانجا"، بل في الصورة التي رسمتها عنها قبل أن أعرفها! فكلمة «مانجا» تصف بصورة عامة القصص المصورة اليابانية، ولها عوالم متنوعه: الجريمة والتحقيقات، والخيال العلمي، والرعب، والرياضة، والتاريخ، والرومانسية، والحرب، والفلسفة، والحياة اليومية. وهنا إحدى أهم نقاط الاختلاف بينها وبين الصورة التي ترسخت لدينا عن الرسوم المتحركة، إذ اعتدنا في ثقافتنا ربط الرسوم المتحركة بالطفولة، بينما الثقافة اليابانية تجاوزت هذا الحاجز، إذ يمكن للرسم أن يكون وسيلة سرد قصة لطفل، كما يمكن أن يروي قصة قاتمة عن الحرب أو الموت أو معنى الوجود، وهنا تكمن أجمل مميزاتها: الرسم وسيلة، وليس عمرًا مستهدفًا.
كما أن بساطة الشكل أحيانًا تمنح الكاتب مساحة أوسع للتعامل مع أفكار شديدة التعقيد، فالرسام يستطيع بريشته أن يبني مدينة ضخمة أو يصمم حرب ضروسًا دون تكاليف باهظة، لذا تبدو بعض أعمال المانجا أكثر جرأة من الأعمال التلفزيونية والسينمائية، كما تستطيع أن تتوقف طويلًا عند فكرة واحدة، أو تمنح شخصية ثانوية عشرات الصفحات لكي تفهم دوافعها، أو تجعل القارئ يتعاطف مع شخص ثم يكرهه، أيضًا وقد يكون المظلوم أنانيًا، والخصم صاحب قضية مفهومة، وهذا بالضبط ما يجعل العمق الأخلاقي في بعض هذه الأعمال مثيرًا للاهتمام.
وبالطبع ليست "المانجا" عالمًا مثاليًا، فبعضها سطحي وتجاري، وبعضها يبالغ في العنف أو الإثارة، وقد تطول أكثر مما ينبغي، كما أن بعض تفاصيل الثقافة اليابانية قد تبدو غريبة على المهتم العربي.
تجربتي مع "مذكرة الموت" جعلتني أفكر فيما يتجاوز "المانجا" نفسها: كم من الأشياء حكمنا عليها قبل تجربتها؟ وكم من الفنون والكتب والأطعمة والمدن وحتى الأشخاص حصرناهم داخل تصنيفٍ مسبق؟ نحن مع مرور العمر نراكم ذائقتنا، لكن الخطر أن تتحول الذائقة إلى جدار!
لم أصبح بعد مشاهدة أعمال معدودة خبيرًا في "المانجا"، ولا أدعي أنني سأحب كل ما ينتمي لعالمها، لكنني -على الأقل- تخلصت من ذلك الحكم العتيق بأنها رسوم للأطفال أو هواية لأشخاص غريبين، واكتشفت أنها طريقة أخرى لحكي الحكايات، وطرح الأفكار والأسئلة.

