إيلاف من الرياض: تبدأ الحكاية بسرقات صغيرة، لكنها لا تبقى كذلك طويلاً. في «أحمر ولا أبيض»، ينزلق أبناء عمومة من الطموح إلى الجريمة، ومن الشراكة إلى الخيانة، قبل أن يجد الجميع أنفسهم داخل دائرة من الانتقام يصعب الخروج منها من دون خسائر.
وتقدم دراما «MBC شاهد الأصلية»، من إخراج منير الزعبي، عالماً سعودياً مشدوداً إلى الجريمة النفسية والتشويق، تتقاطع فيه المصالح العائلية مع تجارة غير مشروعة وعمليات تنفذ في الظل، فيما تتحول العلاقات القديمة تدريجياً إلى أدوات ضغط وابتزاز وحسابات ثأر.

شراكة تنهار
في قلب القصة يقف سلطان وفيصل، ابنا عم جمعتهما البدايات قبل أن تفرقهما الشهية إلى النفوذ. يبدأ الطريق من السرقات المحدودة، ثم يتسع إلى عالم أكثر خطورة يشمل الاتجار غير المشروع بمواد سامة وتشكيل شبكة من الخارجين عن القانون.
كلما اتسعت المصالح، تقلصت مساحة الثقة. يغدر أحدهما بالآخر في محاولة للسيطرة على السوق، وينتهي الصراع بسجن أحد أبناء العمومة. لكن الخروج من السجن لا يعيد الأمور إلى ما كانت عليه؛ بل يفتح الباب أمام رغبة جارفة في استعادة النفوذ وتصفية الحساب.
ومن هنا ينتقل المسلسل من حكاية صعود إجرامي إلى حرب شخصية. الطمع يخلق الخيانة، والخيانة تستدعي الانتقام، قبل أن تفرض مخاطر أكبر على الخصمين العودة إلى نقطة مشتركة ومواجهة عدو يهدد وجودهما معاً.
القانون يقترب
وبموازاة عالم العصابة، يتحرك خط أمني يتقدم مع كل خطأ يرتكبه أبطال الجريمة. التحقيقات لا تأتي بوصفها خلفية للأحداث، بل كمسار موازٍ يضيّق الدائرة تدريجياً على الشخصيات.
ويبني العمل هذه المواجهة على لعبة السبق بين الطرفين: أفراد العصابة يعتقدون أنهم قادرون على توقع حركة رجال الأمن، فيما تكشف التحقيقات أن كل خيط يقود إلى آخر، وأن المسافة بين الإفلات والسقوط أقصر مما يتخيلون.

هدوء متفجر
يقدم محمد العيسى شخصية «عبد المحسن»، الرجل الذي يريد إبقاء السوق ومن حوله تحت سيطرته. الشخصية مبنية على تناقض واضح: مظهر هادئ ورزين في الخارج، ومزاج سريع الانفجار حين يشعر بأن سلطته مهددة.
ويصف العيسى الشخصية بأنها تتحرك باستراتيجية حذرة للسيطرة على التفاصيل وإبقاء الآخرين في نطاق نفوذها، فيما تكمن خصوصيتها، بالنسبة إليه، في المسافة بين الحكمة الظاهرة والعنف الكامن خلفها.
ولا تقتصر علاقات عبد المحسن بإخوته ومحيطه على الخصومة، بل تتداخل فيها الوصاية مع الحماية والرغبة في التحكم. ويرى العيسى أن الشخصية أتاحت له خوض مساحة مختلفة تجمع الحركة بالتعقيد النفسي، وتضع صاحبها بين إظهار القوة وتقديم التنازلات تحت الضغط.
حكمة الانسحاب
وعلى الضفة المقابلة، يلعب إبراهيم الحساوي دور «عبد الله»، الرجل الذي قرر الانسحاب من شبكة غير مستقرة بدلاً من الاستمرار في الدوران داخلها.
بالنسبة إلى الحساوي، لا يمثل الانزواء ضعفاً، بل قراراً واعياً. ويقول إن الشخصية لو كانت ضعيفة لاستمرت في الاستسلام للابتزاز والتهديد، لكنها اختارت الابتعاد بإرادتها.
وما جذب الحساوي إلى الدور، كما يوضح، هو ابتعاده عن شخصيات الشر المباشرة واقترابه من صورة الأب الذي يحاول استعادة حياة أكثر إنسانية، ويجد شيئاً من الاستقرار في أسرته وأبنائه رغم ماض لم ينته أثره تماماً.

لكن هدوء «عبد الله» لا يعني انتهاء الصراع. تمرد أحد أبنائه، والمضايقات التي تواجه ابنته الكبرى «نورا»، والخذلان من بعض المقربين، تعيد الماضي إلى حياته وتضع الأسرة نفسها أمام ثمن الخيارات السابقة.
وجه فيصل
مع فهد البتيري، تصبح الازدواجية جوهر الشخصية. «فيصل» ليس شريكاً عادياً في الجريمة؛ بل رجل يضع طموحه فوق كل اعتبار ويخفي ماضيه وشبكة مصالحه خلف مظهر اجتماعي أكثر هدوءاً.
ويلخص البتيري فلسفة الشخصية بعبارتين حاسمتين: «الغاية تبرر الوسيلة» و«أنا ومن بعدي الطوفان». فيصل وصولي وانتهازي، لكنه لا يقدم نفسه بهذه الصورة للآخرين؛ بل يستخدم الوقار والعائلة والعلاقات الاجتماعية غطاءً لنفوذه.
وتزداد الشخصية تعقيداً داخل المنزل. فالعلاقة مع الزوجة تبدو مستقرة إلى أن تقع لحظة فاصلة يتغير بعدها السلوك، ويتسلل الوجه الآخر إلى الحياة الأسرية نفسها. وهكذا لا تبقى آثار الجريمة في الشارع أو السوق، بل تدخل البيت وتعيد تشكيل العلاقات فيه.
ويمثل الدور انتقالاً مختلفاً للبتيري إلى مساحة درامية أثقل، قائمة على مراقبة التحولات النفسية للشخصية أكثر من الاتكاء على حضورها الظاهر وحده.
جرح ناصر
ويكشف محمد الراشد، الذي شارك أيضاً في تطوير فكرة العمل، عن شخصية «ناصر»، الرجل السريع الغضب الذي يتحرك مدفوعاً بجرح شخصي بقدر ما يتحرك بحثاً عن القوة.
ويشير الراشد إلى أن العمل اتجه منذ تطويره إلى الابتعاد عن الكوميديا والدخول في عالم العصابات وتجارة الممنوعات والخيانة، مع بناء الصراع على أبناء عمومة كانوا أصدقاء في الطفولة قبل أن يحولهم الطمع إلى خصوم.

ورغم القوة التي يظهرها ناصر، يراه الراشد رجلاً «مجروحاً ومكسوراً»، تطارده خيانات متلاحقة، من ابن العم الذي تسبب في سجنه إلى الخيانة الزوجية. ومن هذا الخذلان تنطلق رغبته في الانتقام.
غير أن العمل لا يمنحه تبريراً أخلاقياً كاملاً؛ فالتعرض للظلم لا يصبح تصريحاً مفتوحاً للجريمة. وهذه المسافة بين الضحية والمذنب هي إحدى المناطق التي يعتمد عليها المسلسل في بناء شخصياته.
بعيداً عن التصنيف
أما المخرج منير الزعبي فيراهن على الشخصيات أكثر من الرهان على الجريمة وحدها. ويقول إن «أحمر ولا أبيض» لا يعتمد فقط على التشويق، بل على شخصيات تحمل دوافع وصراعات إنسانية تجعل المتلقي قريباً منها حتى حين يرفض أفعالها.
ويؤكد الزعبي أن بناء العالم البصري وإيقاع الأحداث انطلقا من النص والبيئة المحلية، مع الاستفادة من تطور اللغة السينمائية في الأعمال العالمية من دون الذهاب إلى التقليد المباشر.
ويقول: «مرجعيتنا الأساسية كانت النص والبيئة المحلية، لتقديم عمل يشعر المشاهد بأنه يتابع دراما حقيقية ينتمي إليها، وبمستوى إنتاج وإخراج يواكب الأعمال العالمية».
ولا ينظر الزعبي إلى وجود أسماء ارتبط بعضها بالكوميديا باعتباره مفارقة تحتاج إلى تبرير، موضحاً أنه اختار الممثلين انطلاقاً من قدراتهم لا من التصنيفات السابقة، وعمل معهم على التفاصيل التي تسمح للجمهور بتصديقهم داخل عالم مختلف.
ما بعد الجريمة
يشارك في «أحمر ولا أبيض» محمد العيسى، إبراهيم الحساوي، فهد البتيري، محمد الراشد، فتون جار الله، سعيد صالح، أحمد التركي، إلى جانب رنا جبران، تركي الشدادي، أصايل محمد، سارة الجابر، عماد العلي، وليد قشران، عبد الرحمن عبد الله، أحمد العليان، عبد العزيز السكيرين وعزيز بحيص وآخرين.
ووضع رضوان نصري الموسيقى والتوزيع الموسيقي للعمل، فيما يؤدي إبراهيم الحكمي أغنية المقدمة من كلمات جمانة جمال.
وفي المحصلة، لا يتعامل المسلسل مع الجريمة بوصفها مغامرة جذابة بقدر ما يتتبع ما تتركه وراءها: عائلات تتشقق، صداقات تتحول إلى خصومات، ورجال يكتشفون أن الطريق الذي اختاروه لا يمنحهم السيطرة التي وعدهم بها.
«أحمر ولا أبيض» من أعمال «MBC شاهد الأصلية»، وبدأ عرضه على «MBC شاهد» في 14 أغسطس.


