سبب أساسي لثقافة تمجيد الماضي والأنماط السلبية فيه والذي هو أفيون الشعوب الذي أدى لخلق الحلم الطوباوي للجماعات الإرهابية الإسلاموية تحت شعار إعادة العظمة المزعومة للماضي بالعنف؛ هو أنه تمت قراءة أحداث التاريخ بمنظور غير موضوعي قائم على تمجيد أعمال العنف بغض النظر عن آثارها وتبعاتها الكارثية، ولو استمر هذا المنظور فبعد عدة أجيال سيقوم العرب بصنع فيلم تمجيد لزعماء حماس لأنهم قاموا بعملية 7 أكتوبر التي نتج عن ردة فعل الانتقامية الإسرائيلية عليها مقتل أكثر من 100 ألف مدني غالبهم أطفال وربع مليون مصاب ومعاق بترت أطرافهم وأصيبوا بالشلل وفقدوا البصر وتشوهوا بشكل شنيع، وصارت غزة فيها أكبر عدد من الأطفال مبتوري الأطراف بالتاريخ، وتدمّرت غزة بالكامل بعد أن كانت تشبه مدن خليجية بتطورها بسبب إعادة إعمارها بأموال خليجية سابقاً، وسكانها 2 مليون ونصف مشردين بالخيام يموتون من شدة الحر والبرد عاطلين عن التعليم والعمل ويتعرضون للقتل اليومي أثناء محاولتهم الحصول على المساعدات الغذائية، وكل هذا لأجل عملية فوائدها صفر، وأي عمل مسلح ليكون مشروعاً يجب أن تكون فوائده أكبر من أضراره ويجعل المدنيين أكثر أمناً، أما إن لم يجعل المدنيين أكثر أمناً، واستجلب عليهم ردة الفعل الانتقامية التي دمرتهم وأبادتهم، ففي هذا الحال ما توصف بالمقاومة هي إجرام بحق المدنيين، وما فعلته حماس في 7 أكتوبر وتسبّب بالكارثة الحالية لغزة هو تماماً ما تم فعله في ليبيا وتسبّب بذات النكبة والإبادة الجماعية للمدنيين الليبيين ولم يحقق أدنى فائدة ولم يزحزح الاحتلال الإيطالي شبراً عن ليبيا، وما أجبر إيطاليا على الانسحاب هو دول الحلفاء الغربيين بعد خسارتها بالحرب العالمية، وطالما يتم تمجيد أصحاب أعمال العنف بسبب أن هذا يمنح نشوة لنرجسية غرور الأنا فسيبقى يتكرر نفس النمط؛ رجل وجماعته يقومون بأعمال عنف ضد قوى كبرى ويستجلبون ردة الفعل الانتقامية على مجتمعاتهم التي تؤدي لتدمير وإبادة شعوبهم، وحالياً نرى أجيالاً جديدة ولدت بعدها تمجّد إرهابيين، ولا يتداولون الخسائر المهولة التي حصلت للمسلمين بسبب ردة الفعل الانتقامية على هجمات 11 سبتمبر، فحسب مشروع «تكاليف الحرب-Costs of War» بجامعة براون الأمريكية أدت ردة الفعل الانتقامية الأمريكية على هجمات 11 سبتمبر إلى تهجير (49-60 مليون) شخص، وقتل حوالى 5-6 ملايين، وكان من نتائج احتلال العراق تغوّل إيران بالمنطقة العربية بعد هيمنتها على العراق والذي من نتائجه الحرب الحالية باليمن، ولذا ما يحتاجه المسلمون حالياً ليس أفلاماً ومسلسلات تمجد أعمال العنف التاريخية؛ لأنها تمثل مصدر إلهام وتشجيع للإرهابيين، فما يحتاجه المسلمون حالياً أفلاماً ومسلسلات تمجد المسلمين أصحاب الأعمال التي جعلت العالم أفضل، ويعيد تمحور الإسلام حول ثقافة الحب والحكمة وترقية النفوس كما يقول الصوفية بدل ثقافة العنف، وتتناول سير العلماء المسلمين المعاصرين الذي فازوا بجوائز نوبل، ونجوم العمل الخيري، ومن يلقبون بغاندي المسلمين مثل المفكر الإسلامي العربي جودت سعيد، والشيخ أحمدو بمبا الذي قاوم الاستعمار الفرنسي بالسنغال بالطرق السلمية، وعبدالغفار خان الذي أسس حركة «خدام الله» كأول جيش محترف لاعنفي بالعالم وغالبهم بشتون أي نفس قومية طالبان بنضاله السلمي ضد الاستعمار البريطاني للهند، والفلسطينيين لم يحصلوا على حكم ذاتي بسبب العمليات المسلحة إنما بسبب المفاوضات، وحكومة الفصل العنصري بجنوب أفريقيا سقطت بالنضال السلمي والمقاطعة الدولية وغالباً هذا ما سيحصل لإسرائيل.
حين يتحوّل تمجيد العنف إلى عبء على التاريخ
مواضيع ذات صلة

