: آخر تحديث

معلومات خاطئة عن الفراعنة

4
4
3

نعاني في عالمنا العربي من مدَّعين يعيشون بيننا، ويُعرِّفون أنفسهم بأنهم علماء آثار! أو باحثون في علم المصريات! يظهر هؤلاء كثيراً على وسائل الإعلام يتحدثون بغير علم عن الآثار، وعندما تحاول أن تجد لهم كُتباً أو دراسات ومراجع علمية حقيقية في علم المصريات، تصطدم بأن هؤلاء مجرد أدعياء! يعتمدون على كتب غير علمية، مملوءة بالخرافات عن الآثار والفراعنة من دون التحقق ممن كتبها، وما هي خلفيته العلمية. ومع الأسف فإن مجرد أن يكون المؤلف أجنبياً (خواجة) فإن هذا يكفي لجعل ما يكتبه مصدَّقاً؛ بينما هذه الكتب لا تجد لها مكاناً في أي مكتبة علمية في أي بلد بالعالم.

والحقيقة أن أول كاتب أعطى لنا معلومات كثيرة عن مصر القديمة؛ لكنها لم تكن كلها صحيحة، هو هيرودوت، المؤرخ اليوناني المعروف الذي يُطلَق عليه لقب «أبو التاريخ»، والذي جاء إلى مصر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وسرد لنا معلومات خاطئة عن الملك خوفو وعن الأهرامات، وقد تعدَّى الفاصل الزمني بين خوفو وبين زيارة هيرودوت ما يقرب من ألفي عام.

إن هيرودوت كان أميناً في نقطة مهمة جداً، وهي أنه عندما كان ينقل معلومات لم يرها بنفسه، كان يقول: «سمعتُ من الأدلَّاء، أو أخبرني الأدلَّاء». وكان هؤلاء الأدلَّاء يأتون من قرية بوزيريس التي كانت تقع أسفل هرم خوفو، وهي المنطقة التي نعرفها اليوم باسم نزلة السمان. ولذلك لا بد من أن نفرق بين ما سمعه هيرودوت من الآخرين، وبين ما قال إنه شاهده بعينيه.

وهنا سوف أبدأ بالشيء الوحيد الحقيقي الذي تحدث عنه هيرودوت بنفسه، فقد قال إنه شاهد بحيرة من المياه أسفل الهرم. وظل العلماء فترة طويلة لا يعرفون أين توجد هذه البحيرة، ولا ما الذي كان يقصده هيرودوت تحديداً.

وقد حدث وأنا أعمل في منطقة الأهرام أن نزلتُ إلى موقع يقع بين أبو الهول وهرم خوفو. وعرفت عن وجود بئر عظيمة للمياه عندما حدثني أحمد أبو الغيط (وهو من أشهر الأدلَّاء في منطقة الهرم) وقال لي إنه كان يدخل هذه البئر في شبابه. وكان المكان مظلماً تماماً، ولم يكن من السهل النزول إليه.

قمنا بصنع سلَّم من الحديد لتسهيل عملية النزول، وعندما بدأنا في دراسة المكان، وجدنا أن البئر تتكون من 3 طوابق. كان الطابق الأول مرتفعاً، أما الطابق الثاني الذي يقع على عمق يقارب 10 أمتار، فكان به توابيت حجرية تعود إلى العصر المتأخر، نحو 500 قبل الميلاد.

أما الطابق الأخير فكانت المياه تغطيه بالكامل. وهنا بدأت أفكر في وصف هيرودوت، وأن هذا ربما يكون المكان الذي تحدث عنه. ولذلك بدأنا في سحب المياه من البئر، واتصلت بالمهندس إسماعيل عثمان، واستطعنا أن نستعير من الشركات ماكينات لسحب المياه.

وبعد إزالة المياه ظهر لنا الطابق الثالث، ووجدنا أنه مبني على 4 أعمدة، وبينها تابوت. ومن هنا استطعت أن أدرس هذه البئر، وتبين أنها بئر أوزيريس، وأنها كانت من المواقع المهمة في الجبانة، وترتبط بفكرة أرض أوزيريس والعالم السفلي.

وهنا يمكن أن نقول إن هذه البئر هي المكان الذي تحدث عنه هيرودوت وشاهده بنفسه. وهذه القصة توضح لنا شيئاً مهماً، وهو أننا لا بد من أن نتعامل مع النصوص القديمة بعقل علمي؛ فما شاهده الكاتب بنفسه قد تكون له قيمة كبيرة، أما ما نقله عن الآخرين فلا بد من دراسته ومقارنته بالأدلة الأثرية قبل أن نعتبره حقيقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد