إيلاف من الرباط: تسارعت وتيرة التحركات السياسية في الرباط لإعادة تشكيل المشهد السياسي في البلاد، في وقت تتجه فيه الأنظار نحو مقر حزب الأصالة والمعاصرة الذي تقود منه فاطمة الزهراء المنصوري منسقة القيادة الجماعية للحزب، المشاورات مع قادة الأحزاب السياسية لتشكيل تحالف سياسي يضمن لها تشكيل حكومة منسجمة وبأغلببة مريحة.
وأفرزت دينامية المشاورات الأولية الخميس، بروز خطين متوازيين يُجسدان طريقتين متباينتين في تعاطي الأحزاب السياسية مع مخرجات صناديق الاقتراع، إذ برزت أحزاب ترغب في الاندماج في الأغلبية الحكومية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري،د، مقابل ذلك أعلنت أحزاب أخرى الاصطفاف في المعارضة لإعادة بناء الذات الحزبية وتفعيل الرقابة البرلمانية.
وتجلت هذه السياسية بوضوح عبر الموقفين الصادرين عن أول حزبين حسما التموضع السياسي، حيث سارع حزب التجمع الوطني للأحرار ليكون أول المبادرين بإعلان إيجابية التفاعل مع المشاورات والتأهب للمشاركة الحكومية، مقابل حزب العدالة والتنمية، الذي سارع بدوره إلى حسم موقعه في المعارضة البرلمانية كأول أداء سياسي حازم عقب الإعلان عن النتائج.
التجمع الوطني للأحرار: براغماتية الشراكة واستدامة الإنجاز
جاء موقف حزب التجمع الوطني للأحرار متسقاً مع مساره السياسي في إدارته للشأن العام خلال الولاية المنصرمة. فغداة انطلاق المشاورات الرسمية لتشكيل الحكومة، أظهر الحزب مرونة براغماتية ورغبة صريحة في مواصلة تدبير الملفات الكبرى، مؤكداً جاهزيته للانخراط في الأغلبية المقبلة لتثبيت دعائم الدولة الاجتماعية ومواصلة المشاريع المفتوحة.
ويعكس هذا التوجه الحرص على تغليب المنطق المؤسساتي، حيث لم يكتف الحزب بالإشارات السياسية، بل سارع لعقد مكتبه السياسي، الخميس، ودعوة برلمانه (المجلس الوطني) للالتئام في دورة استثنائية، السبت المقبل، للمصادقة على القرار.
ويرتكز "الأحرار" في موقفهم هذا على حصيلتهم في الحكومة المنتهية ولايتها، معتبربن أن "موقع المشاركة هو الخيار الطبيعي للحفاظ على المكتسبات الاقتصادية والانتقال السلس في تدبير السياسات العمومية".
العدالة والتنمية: خيار المعارضة المسؤولة واستعادة المبادرة
على الضفة الأخرى، اختار حزب العدالة والتنمية قطع الشك باليقين، حاسماً أمره بالإجماع داخل مجلسه الوطني للتموقع في المعارضة البرلمانية، حازماً أمتعته بعيداً عن أروقة التحالف الحكومي، رغم النجاح اللافت الذي حققه في هذه الاستحقاقات باستعادته لحضوره النيابي وتجاوزه كبوة الانتخابات السابقة.
وينطلق حزب العدالة والتنمية في خياره السريع نحو المعارضة من قراءة سياسية تعتبر أن دوره الراهن يتطلب ممارسة نقدية وتقويمية للأداء الحكومي من خارج أسوار التدبير التنفيذي، بدلاً من الدخول في تحالفات قد تحدّ من هامش تحركه الأيديولوجي والبرامجي. ويتطلع الحزب من خلال هذا التموضع المبكر إلى لعب دور "المعارضة الوطنية المسؤولة والقوية"، مستنداً إلى دينامية كتلته النيابية الجديدة لإعادة بناء الثقة مع القواعد والشارع.
تقاطعات المشاورات
ولم تقتصر خريطة التوافقات والتباينات عند حدود هذين القطبين، إذ رسمت المواقف الأولية لباقي الفرقاء المعالم التمهيدية لرقعة الشطرنج السياسية. فقد بعث كل من حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية بإشارات إيجابية تُلمح إلى الاستعداد المبدئي للانخراط في التجربة الحكومية المرتقبة، مستندين إلى تقاطعات على مستوى البرامج والرغبة في تعزيز الاستقرار والدفع بعجلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية من داخل الحكومة الجديدة.
وفي المقابل، التقط تحالف اليسار بوصلة الشارع باختياره توجيه تلميحات صريحة تنزع نحو الاصطفاف في صفوف المعارضة، حيث فضّل التموضع في خانة النقد البرلماني والرقابة الشعبية، معتبراً أن مقتضيات المرحلة تتطلب أصواتاً راديكالية ومستقلة تدافع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتوازن القوى تحت قبة البرلمان.
خريطة برلمانية برأسين: استقرار الأغلبية وتوازن السلطة
يضع هذا التباين المبكر في القرارات والتلميحات الحزبية التجربة الحكومية الجديدة، بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، أمام معادلة دقيقة، فمن جهة، ضمنت التفاعل الإيجابي لحزب التجمع الوطني للأحرار، مدعوماً برغبة حزب الاستقلال والتقدم والاشتراكية، في المساهمة في تشكيل أغلبية متماسكة تمتلك امتداداً سياسيا وتجربة تدبيرية واسعة، مما يسهل صياغة البرنامج الحكومي وتوفير الأغلبية العددية في مجلس النواب.
ومن جهة أخرى، يمنح الاصطفاف المبكر لحزب العدالة والتنمية وتلميحات تحالف اليسار نفساً جديداً وتعددياً للمعارضة، مما يُعزز التوازن المطلوب داخل قبة البرلمان ويضمن تفعيل آليات الرقابة والمساءلة على أكمل وجه. وبين خيار المشاركة الحكومية المحكوم برهان الإنجاز والتنفيذ، وخيار المعارضة البرلمانية المؤطر برهان النقد والبناء، تتشكل الخريطة السياسية الجديدة لترسم ملامح مرحلة دقيقة من تاريخ المشهد السياسي المغربي.


