إيلاف من الرباط : شهدت الساحة السياسية المغربية تحولاً دراماتيكياً زلزل أركان المشهد الحزبي إثر انتشار تسجيل صوتي مُسرّب منسوب لراشيد الطالبي العلمي،رئيس مجلس النواب وعضو المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، متزعم الائتلاف الحكومي،يشن فيه هجوماً حاداً وغير مسبوق على الوزير المكلف الموازنة فوزي لقجع، عقب انضمامه رسمياً إلى صفوف حزب الأصالة والمعاصرة المعروف اختصارا ب"البام"،(مشارك في الائتلاف)
وخرج هذا التسريب المفاجئ من كواليس اجتماع حزبي مغلق، اذ ساهم في إرباك حلفاء التحالف الحكومي، معمقا بذلك التوتر بين الحزبين الحليفين في الحكومة الحالية، كما أثار أيضاً موجة واسعة من التفاعل والرصد الحاد من طرف المواطنين والنشطاء عبر مختلف الشبكات الاجتماعية.
في تفاصيل المعطيات المُحيّنة التي كشفها المقطع الصوتي، وجه الطالبي العلمي اتهامات صريحة ومباشرة لفوزي لقجع باستغلال نفوذه وموقعه لممارسة ما اسماه أساليب "الترغيب والترهيب" على عدد من المرشحين والمنتخبين، وذلك بهدف حثهم على الاستقالة من أحزابهم والالتحاق الجماعي بحزب الأصالة والمعاصرة.
وعبر العلمي عن غضبه الشديد من هذه التحركات التي اعتبرها تجاوزاً صارخاً لضوابط العمل السياسي وقواعد اللباقة الحزبية، موضحاً بلهجة حادة أن منطق الإدارة الرياضية وسلطة التحكم التي يمارسها لقجع في عالم كرة القدم لا يمكن إسقاطها بحال من الأحوال على الشأن السياسي والحزبي. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وجه الطالبي العلمي تهديداً مباشراً ووعيداً صريحاً بأن حزب التجمع الوطني للأحرار لن يقبل بأي شكل من الأشكال برؤية لقجع يتولى حقيبة وزارة الاقتصاد والمالية في أي تشكيلة حكومية قادمة، واصفاً ما يحدث بالممارسات الخطيرة التي تُضعِف المؤسسات وتسلب المشهد السياسي مصداقيته. وقد دفع هذا التسريب المدوّي قيادة حزب التجمع الوطني للأحرار إلى فتح تحريات داخلية مكثفة للوصول إلى الجهة أو العضو الذي سرب هذا المقطع الصوتي من قلب اجتماع مغلق للمكتب السياسي.
على الجانب الآخر، أحدث هذا التسريب حالة من الغليان والتفاعل الكثيف بين رواد منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما "فيسبوك" و"منصة X" و"تيك توك"، حيث انقسمت آراء ومواقف الشارع المغربي إلى اتجاهات متعددة .
فقد عبر قطاع واسع من المواطنين عن استيائهم العارم من مظاهر التسخينات الانتخابية المبكرة وتسابق الأحزاب على استقطاب الأسماء والمنتخبين من داخل أحزاب التحالف الحكومي نفسه، واصفين ما يجري خلف الكواليس بأنه مجرد "تجارة للتزكيات وركض خلف المصالح الذاتية" بعيداً عن الهموم الحقيقية للشعب والتنمية الملموسة التي ينتظرها الشارع.
وعلق العديد من النشطاء بسخط بالغ مؤكدين أن الصراع المحموم على الحقائب الوزارية والمناصب يحدث في وقت يكتوي فيه المواطن المغربي بلهيب الأسعار وتراجع جودة الخدمات العمومية، وأن هذا التسريب أزال الستار ليثبت أن التحالف الحكومي ليس سوى مجاملات بروتوكولية أمام الكاميرات بينما يخفي تحته تطاحناً وشراسة على السلطة.
كما فتحت خلفية فوزي لقجع الرياضية الباب أمام موجة عارمة من التندر والسخرية بين المدونين، الذين ألقوا الضوء على عبارات الطالبي العلمي المتعلقة بـ "قواعد الفيفا والكرة". وتساءل الكثيرون بسخرية عن الكيفية التي تحول بها العمل السياسي إلى ما يشبه "الميركاتو" وسوق الانتقالات الصيفية بين الأندية الرياضية، حيث أشار العديد من المتابعين إلى أن لقجع نقل أساليب إدارة كرة القدم الوطنية وتكتيكاتها إلى قلب الأحزاب السياسية، مما يحول المشهد الديمقراطي إلى مضاربات وانتقالات لأصحاب النفوذ بدلاً من التنافس على أساس البرامج والأفكار.
في السياق ذاته، طالبت فئات أخرى من الفاعلين الجمعويين والمثقفين بضرورة فرض الحياد التام على أجهزة الدولة، ومنع استغلال المسؤوليات والمناصب الحكومية لخدمة أجندات حزبية ضيقة، معتبرين أن هذه الواقعة كشفت جلياً عن ضرورة إعادة الاعتبار للمؤسسات وإعادة هيكلة قواعد اللعبة السياسية لضمان النزاهة والشفافية.
ويظهر تسريب تدخل راشيد الطالبي العلمي بحجمه ومعطياته الحالية مدى عمق الشرخ والتأزم المتصاعد بين مكونات الأغلبية الحكومية مع قرب اجراء الاستحقاقات التشريعية التي ستفرز عنها الحكومة المقبلة.
وبينما يحاول حزب التجمع الوطني للأحرار امتصاص الصدمة وتتبع خيوط التسريب الداخلي ، يظل انطباع الشارع المغربي متسماً بالريبة والرفض القاطع للممارسات التي تمنح الأولوية للحسابات السياسوية والتكتيكات الحزبية الضيقة، في وقت يترقب فيه المواطن حلولاً عملية وأجوبة حقيقية للتحديات الاقتصادية والاجتماعية اليومية.


