ايلاف من الرباط: سادت حالة من الذهول والترقب داخل قبة البرلمان المغربي خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي، بعد أن تحولت كلمة القيادي الحزبي والسياسي المخضرم محمود عرشان، مؤسس حزب "الحركة الديمقراطية الاجتماعية"، الأربعاء، من مداخلة تقليدية إلى عاصفة من العتاب السياسي الحاد والمواجهة المباشرة مع رئيسة الحكومة الجديدة فاطمة الزهراء المنصوري.
وتكتسب هذه المداخلة أهميتها الاستثنائية من شخصية عرشان، الذي يعد أحد أكثر وجوه المشهد السياسي المغربي إثارة للجدل، بحكم انتقاله من مخافر الشرطة ومراقبة الناشطين في صفوف اليسار إلى العمل السياسي، إذ كان ضابط أمن كبير (عميد شرطة ممتاز) خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، قبل أن يتحول بعد مرحلة الانفراج السياسي والمصالحة الوطنية إلى برلماني وزعيم سياسي.
تفاصيل المداخلة النارية
تخلى عرشان، وهو يعتلي منصة الخطابة وجهاً لوجه مع رئيسة الحكومة ووزرائها، عن قواعد اللياقة المعمول بها، ودخل مباشرة في اتهام رئيسة الحكومة بممارسة الرقابة الإعلامية، ومستنكرًا ما اعتبره "بداية سيئة وتعاملاً غير مقبول" مع حزبه خلال جولات المشاورات الحكومية. وكشف أنه عندما حلّ ضيفاً بدعوة رسمية من فاطمة الزهراء المنصوري للمشاورات، كان اللقاء بحضور ثلاثة من أبرز قيادات الحكومة الجديدة وهياكلها، وهم: فوزي لقجع، وأحمد اخشيشن، وعبد اللطيف وهبي.
لكن عندما بُثت التغطية الإعلامية عبر التلفزيون الرسمي، تم قصّ المشهد وإخفاء القياديين الثلاثة الذين شاركوا في المشاورات، ليظهر اللقاء وكأن رئيسة الحكومة تجلس كل بمفردها مع وفد الحزب. وتساءل عرشان بانفعال حاد: "نبدأ بالرقابة من الآن؟ لأن هذه المسألة يا سيدتي الرئيسة غير مقبولة نهائياً".
ورداً على استبعاد مرافقيه من الصورة التلفزيونية وما اعتبره تقليلاً من حجم حزبه السياسي، قام عرشان باستعراض بطاقته الوطنية والشخصية أمام الحضور بثبات، قاطعا الكلمة ليقول بغضب: "هؤلاء الناس الذين لم يرغبوا في الظهور معنا في الصورة، أريد أن أقول لهم من هنا: إن هذا الإنسان المتواضع الذي يتحدث إليكِ، ومسؤولي حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية، هم من أنقى وأطهر ما يوجد في الساحة السياسية المغربية"، مستعرضاً محطات من سيرته وشرعيته الوطنية التي يعتبرها رداً كافياً على أي تشكيك. وأشار إلى أنه ينحدر من أصول عريقة وشريفة، ويشغل صفة نقيب للشرفاء الأدارسة في منطقته، وأنه نجل أحد رجال المقاومة البارزين الذين رفضوا التعاون مع الاستعمار الفرنسي لحماية قبيلتهم. كما ذكّر بأنه عضو منتخب بالمجلس الوطني للمقاومة وجيش التحرير، وكان من المتطوعين في حدث "المسيرة الخضراء" التاريخي.
وأضاف أنه حائز على ميدالية ذهبية من مجلس الشيوخ الفرنسي تقديرًا لجهوده في تجويد وتطوير العلاقات الثنائية بين البلدين.
تحدٍّ علني لفتح أوراق الذاكرة التاريخية
وفي واحدة من أكثر نبرات خطابه تحدياً، وجّه عرشان رسالة صارمة لمروجي الشائعات ومحاولي المساس بتاريخه وتاريخ حزبه، قائلاً: "إذا أردنا أن نعود إلى قراءة التاريخ ونعرف حقيقة كل شخص ومن يكون، فنحن مستعدون وجاهزون لمواجهة علنية ومباشرة على شاشة التلفزيون لنقول للجميع من هو كل شخص ومن أين جاء؟ نحن نريد للذاكرة الوطنية ألا تلوث بالإشاعات".
وبعد أن أنهى رد الاعتبار الشخصي والحزبي، انتقل عرشان إلى الجانب السياسي في التشكيل الحكومي، منتقداً التشكيلة الحكومية الجديدة التي يرى أنه شابها تقصير و"عدم ابتكار"؛ حيث اعتبرها أقرب إلى "تعديل وزاري محدود" منها إلى تنصيب حكومة جديدة، وذلك بسبب إبقاء الوزارات الكبرى والوازنة في أيدي وزراء الحكومة السابقة. وأبدى شكوكه في قدرة الفريقين القديم والجديد على الانسجام والتنسيق بسرعة لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
وصية عرشان لرئيسة الحكومة على نغمات أغنية تراثية
لم ينهِ عرشان كلمته الغاضبة دون أن يترك نصيحة تحذيرية أثارت انتباه المتابعين، مؤكداً أنه رغم كل ما حدث يتمنى النجاح للتجربة الحكومية، لكنه دعا رئيسة الحكومة إلى الحذر واليقظة الشديدة ممن حولها.
واستشهد عرشان بمقطع شهير من أغنية تراثية شعبية للفنان المغربي الراحل الحسين السلاوي، قائلاً: "نريد لكِ النجاح... ونطلب منكِ أن تكوني حذرة في هذا الباب، ونوصيكِ كما قال الحسين السلاوي في زمن مضى: (ردي بالك.. لا يفوزوا بكِ القومان يا فلان)". وهو مثل شعبي معناه: احذري كي لا يستغلك المقربون أو المحيطون بكِ لتحقيق مآربهم ، في إشارة مبطنة إلى حلفاء حزب الأصالة والمعاصرة في الحكومة الجديدة، المتمثلين في حزبي اليسار (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية)، اللذين ذاق بعض قيادييهما مرارة الاعتقال.
لماذا أثارت الكلمة كل هذا الاهتمام؟
يعود هذا الاهتمام الواسع بمداخلة عرشان إلى الرمزية التاريخية لماضيه المرتبط بإدارة مراكز أمنية وحراسة معتقلات سياسية شهيرة (مثل معتقل "درب مولاي الشريف") خلال حقبة مواجهة الدولة مع المعارضة واليسار.
ومع طي المغرب لصفحة الماضي عبر "هيئة الإنصاف والمصالحة" والتسوية الشاملة في التسعينيات، أحيل عرشان على التقاعد ليتجه لتأسيس حزب "الحركة الديمقراطية الاجتماعية" عام 1996، وينتقل بنجاح إلى القواعد الديمقراطية والعمل البرلماني. وبعد تقدمه في السن، سلّم عرشان مقاليد الحزب لابنه عبد الصمد عرشان الذي يستكمل مسيرة العائلة في البرلمان والمؤسسات المنتخبة، لتظل تجربة عرشان نموذجاً لافتاً للتحول من كواليس السلطة الأمنية إلى منصات العتاب والديمقراطية تحت قبة البرلمان المغربي.


