: آخر تحديث

صحف إيران الخميس: خلف ضجيج الحرب… الطفل والعامل والأسرة

2
2
1

إيلاف من لندن: بين هرمز والدولار وتهديدات الحرب، تكشف الصحافة الإيرانية وجهاً آخر للبلاد: موائد تتقلص، أجور تتآكل، مدخرات معلقة، وأسر تحاول حماية ما تبقى من حياتها اليومية**

تبدو الصفحات الأولى للصحف الإيرانية، صباح الخميس، غارقة في أخبار المواجهة مع الولايات المتحدة، ومضيق هرمز، وشروط طهران لإنهاء الحرب. لكن خلف ضجيج السياسة والعناوين العسكرية، تظهر إيران أخرى؛ إيران الطفل والعامل والأسرة، والقلق على الغذاء والصحة والمدخرات والعمل.

هذه الطبقة الأقل صخباً في الصحف قد تكون، في بعض الأحيان، أكثر تعبيراً عن أثر الأزمة من المانشيتات الكبرى نفسها.

«مردم‌سالاري».. صحة الأطفال وسط السياسة

من بين المواد اللافتة في عدد اليوم من صحيفة «مردم‌سالاري» تقرير بعنوان «چالش‌های پنهان سلامت کودکان»، أي «التحديات الخفية لصحة الأطفال».

أهمية المادة لا تكمن في مضمونها الصحي فقط، بل في وجودها داخل صحيفة تنشغل، في العدد ذاته، بمضيق هرمز ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والعلاقات الدولية.

وتأتي هذه المعالجة في وقت أعلنت فيه وزارة الصحة الإيرانية أن مؤشرات سوء التغذية لدى الأطفال دون الخامسة شهدت انخفاضاً ملحوظاً، وأن الوضع العام، وفق أحدث مسح وطني، يعد جيداً بالمقارنة مع المعايير العالمية.

وهنا تظهر صورتان متوازيتان: تحسن نسبي في المؤشرات الوطنية، في مقابل تحديات صحية «خفية» لا تزال الصحافة ترى أنها تستحق المتابعة.

العامل الإيراني.. عندما يصبح البيض مقياساً للفقر

وفي الصحيفة نفسها يبرز عنوان آخر أكثر مباشرة:

«دستمزد کارگران و پرواز دلار» — «أجور العمال وتحليق الدولار»

والعنوان ليس نقاشاً اقتصادياً مجرداً، بل مدخل إلى أزمة معيشية متفاقمة.

ففي تغطيات إيرانية متزامنة برز تعبير شديد الدلالة: سعر طبق البيض بات يتجاوز أجر يوم كامل لعامل، وسط حديث عن تقلص كمية الغذاء في ثلاجات الأسر العاملة وتراجع قدرتها الشرائية.

هنا لا يظهر التضخم رقماً في تقرير اقتصادي، بل سلسلة من عمليات الحذف اليومية: أسرة تستغني عن سلعة، ثم تقلل استهلاك أخرى، إلى أن يصبح حتى البروتين البسيط عبئاً على الموازنة المنزلية.

شظايا الحرب تصل إلى مائدة الفقراء

وفي الصحافة الاجتماعية الإيرانية يظهر عنوان أكثر قسوة:

«ترکش‌های جنگ؛ وسط سفره‌های تهیدستان» — «شظايا الحرب وسط موائد الفقراء»

التقرير يتابع أسراً لم تعد الحرب بالنسبة إليها خبراً بعيداً أو حدثاً عسكرياً يجري عند الحدود، بل واقعاً ينعكس في فقدان الوظائف وصعوبة تأمين احتياجات الأطفال.

ومن بين الحالات التي يعرضها التقرير أسرة فقد فيها الزوج عمله، ما دفع الزوجة إلى تنظيف المنازل للمساعدة في تأمين نفقات الأسرة.

بهذا المعنى، تتغير دلالة عبارة «تكلفة الحرب». فهي لا تقاس فقط بالصواريخ والمنشآت، بل أيضاً براتب مفقود، وامرأة تضطر إلى عمل إضافي، وطفل تتغير نوعية الطعام الموجود على مائدته.

«هفت صبح».. أموال يملكها الإيراني ولا يستطيع الوصول إليها

وتنتقل صحيفة «هفت صبح» إلى شكل آخر من القلق اليومي: المدخرات التي توجد نظرياً، لكن أصحابها لا يستطيعون التصرف بها بحرية.

وتتناول الصحيفة قضية ما يعرف بـ«أسهم العدالة»، تحت عنوان يفيد بأن مواطنين يملكون أصولاً تقدر بنحو 96 مليون تومان، لكن «من دون زر للبيع».

وبحسب الصحيفة، ما زال نحو 50 مليوناً من حاملي هذه الأسهم، بعد سنوات من إعلان تحريرها، يواجهون قيوداً على التصرف بها.

والقصة اقتصادية في ظاهرها، لكنها شديدة الإنسانية في جوهرها. ففي وقت ترتفع فيه الأسعار، قد يكون الفارق كبيراً بين امتلاك أصل على الورق وبين القدرة على تحويله إلى سيولة عندما تحتاج الأسرة إلى المال.

وفي العدد نفسه، تذهب الصحيفة إلى تفصيل منزلي شديد البساطة: «لماذا ينبغي غلي علبة التونة قبل أكلها؟».

وجود موضوع كهذا إلى جانب أخبار الحرب والاقتصاد يمنح صورة أكثر واقعية للحياة الإيرانية: فالمواطن لا يعيش داخل العناوين السياسية وحدها، بل داخل مطبخه وثلاجته ومخاوفه الصحية الصغيرة أيضاً.

الفنان في دائرة الاستقطاب

ومن صحيفة «سازندگي» تأتي زاوية اجتماعية مختلفة، مع تناول واقعة كتابة شعارات تهديدية على جدران منزلي الممثل رضا كيانيان والمخرجة تهمينه ميلاني.

وتنقل الحادثة الاستقطاب من المجال السياسي العام إلى الحيز الشخصي؛ إذ يصبح منزل الفنان نفسه ساحة للرسائل والتهديدات.

وفي المقابل، تنشر الصحيفة صوتاً يدعو إلى كسر هذه الدائرة تحت عنوان:

«ما دشمن نیستیم؛ سخن ما را بشنوید» — «لسنا أعداء.. اسمعوا كلامنا»

وهي دعوة إلى العقلانية والسلام والتنمية، في مواجهة خطاب متصاعد يقوم على التخوين والاستقطاب.

«شرق».. الإنسان في قلب الصفحة

وتقدم صحيفة «شرق» واحدة من أكثر الصور دلالة في صفحات اليوم.

في قلب صفحتها الأولى يظهر وجه رجل تحت عنوان:

«از لوله مرگ تا مسیر بازگشت» — «من أنبوب الموت إلى طريق العودة»

وسط أخبار الحرب والصواريخ والموت، تختار الصحيفة أن تضع وجهاً وتجربة شخصية في مركز الصفحة.

وهو اختيار بصري وتحريري يذكر بأن وراء الأرقام السياسية والعسكرية أفراداً وحكايات، وأن الصحافة الإيرانية لا تتحرك دائماً في فضاء التصريحات الرسمية وحدها.

إيران أخرى خلف المانشيت

عند جمع هذه المواد معاً، تظهر صورة مختلفة لإيران هذا الخميس.

هناك دولة منشغلة بالحرب ومضيق هرمز والولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

لكن هناك، بالتوازي، أم تحسب تكلفة الطعام، وعامل يراقب الدولار وهو يبتعد عن راتبه، وطفل يحتاج إلى رعاية صحية، وأسرة تريد الوصول إلى مدخراتها، وفنان يجد السياسة مكتوبة على جدار منزله.

وربما تكون هذه هي الزاوية الأكثر قدرة على تفسير إيران اليوم: ليس فقط ما تقوله الحكومة أو ما يحدث في الجبهات، بل ما يحدث خلف أبواب البيوت وعلى موائد الطعام وفي أماكن العمل.

ومن هنا يمكن أن تصبح فقرة «إيران الناس» جزءاً ثابتاً من الجولة اليومية للصحافة الإيرانية، تركز كل صباح على خمسة إلى سبعة موضوعات تتصل بالمعيشة والنساء والأطفال والصحة والعمل والتعليم والثقافة والبيئة والحياة في المحافظات، إلى جانب المانشيتات السياسية الكبرى.

ففي كثير من الأحيان، لا تروي الصحف قصة البلد الحقيقية في عنوانها الأول، بل في تلك الأخبار الصغيرة التي تكشف كيف يعيش الناس يومهم تحت ثقل الأحداث الكبرى.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار