ليلى أمين السيف
هناك أشخاص يبدو أن الفوضى ولدت معهم وكبرت معهم ودرست معهم وتزوجت معهم ثم حصلت على مفتاح بيتهم واستقرت فيه.
لا أقصد بالفوضوي الشخص الذي يترك كوباً على الطاولة أو ينسى ترتيب سريره أحياناً، فكلنا نفعل ذلك بين حين وآخر. لكن الفوضوي هو الذي تتحول عنده الفوضى من تصرف عابر إلى طريقة مضطربة في إدارة الحياة في وقته وأغراضه ودراسته وعمله ومواعيده وعلاقاته وأحياناً حتى في تربيته لأطفاله.
والفوضى لا تتعلق دائماً بترتيب الأشياء بقدر ما تتعلق أحيانا بتحمل المسؤولية. هناك فوضى لا تُرى بالعين؛ فوضى تحدث داخل الإنسان نفسه. فالفوضوي في الخارج قد يكون فوضوياً في الداخل أيضاً. قد يكون عقله مزدحما بالأفكار ومشاعره متراكمة وغير مفهومة وأولوياته غير واضحة وقراراته مؤجلة فينعكس هذا الاضطراب على وقته وأغراضه ومواعيده وعلاقاته.
وأحياناً يحدث العكس؛ تتراكم الفوضى حول الإنسان حتى تزيد شعوره بالتشتت والضغط فيدخل في دائرة تغذي فيها الفوضى الخارجية الفوضى الداخلية والعكس صحيح. وكلما كان الداخل أكثر هدوءا ووضوحا، أصبح الإنسان أقدر على ترتيب الخارج. ليس لأن الحياة ستصبح مثالية وإنما لأنه يصبح أقدر على معرفة ما يستحق اهتمامه وما يجب إنجازه وما يمكن تأجيله وما ينبغي أن يتركه خلفه. علينا أن نميز بين الفوضى الخاصة والفوضى المشتركة فإذا كانت غرفتك غير مرتبة وأنت وحدك من يتحمل نتائج ذلك فهذه فوضاك وأنت حر فيها.
لكن المشكلة تبدأ عندما تمتد فوضاك إلى حياة الآخرين عندما تتأخر عن موعد فينتظرونك أو تؤجل مهمة فيضطر غيرك إلى إنجازها أو تنسى مسؤولية فيتحمل شخص آخر نتائج نسيانك.
فمن السهل أن تقول نسيت أو لم أنتبه أو سأفعلها لاحقا لكن المسؤولية تبدأ عندما تدرك أن ما تنساه قد يضطر غيرك إلى تذكره وما تؤجله قد يضطر غيرك إلى إنجازه وما تهمله قد يتحول إلى عبء على شخص آخر.
في البيت قد يتحول شريك حياتك إلى شخص يذكرك ويتابعك وينظم حياتك وفي العمل قد يجد زميلك نفسه يكمل ما تركته وفي الصداقة قد يصبح صديقك هو الذي يتابع المواعيد ويرتب اللقاءات ومع الأبناء قد تنتقل الفوضى إليهم لأنك لم تعلمهم تحمل مسؤولياتهم.
وهنا لا تعود المسألة هل أحب النظام أم أحب الفوضى بل هل أتحمل مسؤولية ما أفعله وما أتركه خلفي. فالمسؤولية لا تعني أن تكون حياتك مثالية بل أن تعرف أن لأفعالك أثرا وأن تتحمل نصيبك من هذا الأثر دون أن تضعه دائما على عاتق الآخرين. وهنا يكمن الفرق الحقيقي بين أن تكون فوضويا وأن تجعل الآخرين يدفعون ثمن فوضاك.
ومع ذلك ليس من العدل أن نقول إن كل فوضوي كسول أو مهمل فهناك فروق فردية في التنظيم وضبط النفس والتخطيط وبعض الناس يجدون صعوبة أكبر في المهارات التي تساعدهم على ترتيب الأولويات والبدء بالمهام ومقاومة المشتتات وإنهاء ما بدأوه. كما أن التسويف قد يكون طريقة للهروب من الملل أو القلق أو الضغط فيؤجل الإنسان المهمة ويشعر براحة مؤقتة ثم تتراكم عليه فيزداد الضغط ويؤجلها مرة أخرى. وهكذا تصبح كلمة بعدين دائرة مغلقة.
لكن كيف يبدأ كل هذا؟!
تبدأ الحكاية أحيانا منذ الطفولة. طفل لا يهتم أين وضع لعبته ويترك ملابسه على الأرض وينسى واجباته ويحتاج إلى من يذكره بكل شيء. وقد يكون هذا طبيعيا في مرحلة عمرية معينة فالطفل أصلا يتعلم التنظيم تدريجيا لكن الفرق يظهر في التربية.
هناك طفل يتعلم أن يعيد ألعابه بعد أن ينتهي من اللعب وأن يعيد الأشياء إلى أماكنها وأن يجهز حقيبته من الليل ومع التكرار تتحول هذه الأمور إلى عادات. وهناك طفل يسمع دائما اتركه أنا سأرتبه أو ما زال صغيرا أو دعني أجهز حقيبته أو سأبحث أنا عن أغراضه أو اتركه لا يزال صغيرا وعندما يكبر سنعلمه. فيكبر وهو لا يمارس المهارات التي يحتاج إليها كي ينظم نفسه.
وبالطبع ليست التربية وحدها السبب فهناك أيضا المزاج والسمات الشخصية والبيئة والعادات والقدرات التنفيذية. لكن الطفل لا يولد ومعه كتيب تعليمات يقول أنا فوضوي الرجاء التعامل معي بحذر. على أي حال التنظيم مهارة يتعلمها الإنسان بالتدريب مثل أي مهارة. لكن الحكاية لا تنتهي هنا فالنقيض قد يكون مشكلة أيضاً.
الأم أو الأب شديد التنظيم قد يحول البيت إلى مؤسسة إدارية لكل شيء فيها وقت وطريقة محددة حتى السرير والسجاد وأنا أعرف هذا الطرف جيدا فقد نشأت مع أم شديدة التنظيم تقترب من الكمال وكان لكل شيء نظامه حتى إن خصلة واحدة خارجة عن اتجاهها في السجاد كانت كفيلة بالتوقف لتسويتها. ومع الوقت أصبحت مثلها أبحث عن الكمال في التربية والترتيب والطبخ والعمل وحتى العلاقات الإنسانية ثم تعلمت أن كما يحتاج الفوضوي إلى تعلم التنظيم، يحتاج المنظم إلى تعلم التسامح مع النقص وقليل من الفوضى وغض الطرف.
فليس كل شيء يجب أن يكون مثاليا وليس كل خطأ يحتاج إلى تصحيح فوري فالمشكلة ليست في الفوضى بحد ذاتها بل عندما تنتقل تكلفتها إلى الآخرين.
وهنا يجب أن نكون منصفين. أن تكون فوضويا في حياتك شيء وأن تجعل الآخرين يدفعون ثمن فوضاك شيء آخر.
وهل الفوضوي يعرف أنه فوضوي. أحيانا نعم وأحيانا لا. قد يرى نفسه عفويا بينما يراه الآخرون غير ملتزم وقد يرى نفسه مرنا بينما يراه شريكه غير مسؤول. وقد يرى نفسه لا يحب التعقيد بينما يرى زميله أنه يترك الأعمال حتى آخر لحظة. ولهذا فإن أول خطوة في التغيير هي الوعي. أن يستطيع الإنسان أن يقول نعم لدي مشكلة في التنظيم.
هذه ليست إهانة بل بداية الحل. وهل يمكن علاج الفوضى.
ليس كل فوضوي يحتاج إلى علاج بالمعنى الطبي لكن يمكنه أن يتعلم التنظيم. يبدأ بأشياء بسيطة. مواعيد مكتوبة بدل الاعتماد على الذاكرة. مكان ثابت للمفاتيح والأوراق. قائمة قصيرة للمهام. تقسيم المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة. تحديد موعد نهائي حقيقي. إنجاز المهمة قبل أن تصبح أزمة. روتين صباحي ومسائي. وتقليل المشتتات أثناء العمل. أما الأطفال فيحتاجون إلى التدريب لا إلى الشتائم. لا نقول أنت فوضوي. بل نقول تعال نرتبها معا. ثم نكرر حتى يصبح قادرا على فعلها وحده. لكن الحل ليس أن يصبح الجميع مثل أمي وهذه نقطة مهمة.
فالهدف ليس صناعة بشر يعيشون وهم يحملون ممسحة في يد ودفتر مواعيد في اليد الأخرى.
الهدف أن يكون الإنسان قادرا على إدارة حياته دون أن تتحول الفوضى إلى عبء على نفسه وعلى الآخرين. وفي المقابل لا نريد شخصا مرتبا لدرجة أن حياته تصبح سجنا من القواعد لأن هناك فرقا بين النظام والكمال. النظام يساعدنا على الحياة أما الكمال فقد يجعلنا ننسى أن نعيش.
في النهاية الفوضوي ليس إنساناً سيئاً والمنظم ليس إنساناً أفضل. الفوضوي قد يكون كريماً ومبدعاً ومحبوباً وذكياً وناجحاً. والمنظم قد يكون مرهقاً لنفسه ولمن حوله إذا تحول تنظيمه إلى سيطرة وانتقاد دائم. لكن كلاهما يحتاج إلى شيء. الفوضوي يحتاج إلى أن يتحمل مسؤوليته ويتعلم بعض التخطيط والانضباط وألا يجعل الآخرين سكرتيراً شخصياً لفوضاه.
والمنظم يحتاج إلى أن يترك مساحة للخطأ والعفوية والنقص وألا يحول كل اختلاف إلى مشكلة.
الفوضوي يقول أنا هكذا والمنظم يقول وهكذا يجب أن يكون كل شيء.
والحياة تقول لهما معا: اهدآ. لا أنتم بحاجة إلى أن تكونوا فوضويين ولا إلى أن تكونوا آلات.
تعلموا فقط أن تعيشوا بطريقة لا تجعل أحدكما يحمل فوضى الآخر ولا تجعل أحدكما يعيش تحت سطوة كمال الآخر. فالبيت ليس متحفاً والحياة ليست مستودعاً والأطفال ليسوا مشاريع مثالية والعلاقات ليست جداول اكسل. شو أحيانا نعم يجب أن نرتب السرير وأحيانا يمكن أن نترك خصلة في السجادة في غير مكانها ونكمل حياتنا.
** **
- كاتبة يمنية مقيمة في السويد

